السبت، مارس 12، 2011

دوران للأمام


هذا تعليق قد يراه البعض استباقيا للأحداث بدرجة كبيرة، والحقيقة أن فكرته تدور برأسي حتى قبل مشاهدة لقاء تلفزيوني على فضائية "الجزيرة مباشر" الخاصة بمصر مع الداعية السلفي محمد حسان حيث تحدث عن أمور عدة من بينها وجود توجه لدى التيار الذي يعتبر أحد رموزه للدخول إلى حلبة السياسة.

كثيرون ساءتهم التلميحات المتتالية من رموز الدعوة السلفية في مصر حول وجود نية للمشاركة السياسية في المرحلة المقبلة. وشخصيا يتنازعني تجاه ذلك شعوران قد يكونان متضادين ولكن أحاول التأليف بينهما حتى أكون على قدر من التوسط المصطنع.

أما الشعور الأول فهو الاستياء المخلوط بنذر يسير من الدهشة إزاء هذا التحول الذي يأتي بعد العزوف الكامل للإخوة السلفيين عن المشاركة السياسية بل وانتقاد الداعين لها وتنحية كافة الخيارات الخاصة بالتحرك الشعبي كالاعتصامات والمظاهرات بل والانتخابات ذاتها.

ويبدو هذا التحول وكأنه يحتمل وجهين: الأول -وهو مبني على إحسان الظن- يقول بأن ثمة مراجعة حقيقية لمبادئ خاصة بالدعوة السلفية بعد ثبوت نجاح الخيارات الشعبية، في حين يرى الوجه الآخر في هذا النحو انتهازية سياسية  وخوفا من خسارة قاعدة شعبية بعد أن شاركت تيارات إسلامية أخرى بثقل في إنجاح الثورة.

وعلى الجهة الأخرى ينتابني شعور بالارتياح إزاء اشتراك السلفيين في العمل السياسي كون هذا التيار يعبر عن شريحة واسعة من المجتمع كنت آسفا لرؤيتها "معطلة" طيلة الفترة الماضية، كما أن أصول الحرية السياسية تتيح للجميع حق الاختيار بين كافة التيارات طالما ابتعدت عن لغة القوة والخطاب الإقصائي.

ما أتوقعه حاليا هو أن الفترة المقبلة قد تشهد إعلانا من الإسكندرية –حيث يوجد ما هو أشبه بالحوزة السلفية- حول مشاركة هذا التيار في الانتخابات المقبلة ومن ثم تغير خريطة توزيع القوى السياسية بوجه عام والإسلامية بشكل خاص.

ما أتمناه أيضا هو ألا تصاب قطاعات بعينها بحالة من السعار إزاء دخول السلفيين إلى حقل السياسة، فمن يعارض هذا الفكر قد يقدم له خدمة جليلة بمحاولة تشويهه مما قد يكسبه مزيدا من التعاطف المجاني، كما أن الدعوة إلى الحظر والمنع غير مقبولة خاصة إذا كانت تأتي ممن انتقد دائما التهميش والإقصاء.

الثلاثاء، مارس 08، 2011

الخميس، يناير 27، 2011

قراءة متعجلة





ربما يكون من أكبر الأخطاء التي تدل على ضحالة صاحبها أو قصر نظره هو الإسراع في محاولة تحليل الأحداث ولكنني سأخوض هذه المغامرة مع استبعاد وصف "التحليل" والاكتفاء بـ"التعليق" الذي يبدو كلمة أخف وطأة بكثير.

ما يحدث من 25 يناير وحتى الساعة التي أكتب فيها الآن كان حلما بعيدا عن مخيلة غالبيتنا منذ فترة، ولعل فقدان الأمل والسكوت والسلبية كان ملهما لبعض السيناريوهات شديدة الكآبة وفي الوقت نفسه شديدة القابلية للحدوث مثل أحداث رواية "يوتوبيا" للكاتب أحمد خالد توفيق.

ولم تُبن أحداث تلك الرواية أو غيرها من التصورات على أي نوع من الاحتجاجات واسعة النطاق في الشارع، فكان التخيل يُنسج دائما على استسلام تام من جانب الشعب واستمرار في التصعيد من أعمال النهب والقمع من جانب الفئة الحاكمة حتى يصل الوضع إلى كارثة محققة.

وبالتالي فإن خروج آلاف الشباب إلى الشوارع في "دفعة أولى" استجابة لدعوة عبر الإنترنت لا يعني إلا أن السيناريو الأسود بات بعيدا وأن حسابات النظام ارتبكت كثيرا عما كانت عليه وقت تزوير الانتخابات النيابية الأخيرة التي كان يتم الحديث خلالها عن "حزب الأغلبية" والذي لم يخرج منه ولو شخص واحد يرفع شعارا له.

المكاسب كثيرة من وراء اليومين الماضيين فقط.. أولها كسر حاجز الخوف واستبعاد سيناريو السير بجوار الحائط والدخول فيه إن أمكن، وثانيها أن من خرجوا إلى الشارع هو مسلمون ومسيحيون من اليمين واليسار والتيارات الإسلامية بما فيها بعض السلفيين وهو ما يعتبر انتصارا حقيقيا على خطاب طاعة ولي الأمر مهما فعل.

أقف هنا لأستمتع بلحظة الإجماع النادرة هذه.. فإن لها نسيما أود أن يملأ رئتيّ عوضا عن التلوث الفكري الذي كان كان منتشرا حاملا معه عبارة "لا فائدة".

مكسب ثالث أود تنقيته من الشوائب الشخصية كأن أشعر بالشماتة تجاه كل من سخر يوما من فكرة التظاهر سواء أيام الجامعة أو حتى التوقيع على بيان التغيير.. أو كل من اكتفى بالسخرية والنقد أو كل من لم يكن له رأي في السياسة وكان يفضل عدم الخوض فيها والبقاء على الحياد السلبي.. فالآن أقول لا شماتة بل لنفرح ببعضنا.. فكثير من هؤلاء الآن يرفعون الأعلام ويفكرون حقا بالنزول ويتابعون الأخبار أولا بأول.

مكسب رابع.. النضال عبر الفيسبوك وتويتر يأتي بنتائج حتى في المجتمعات ذات التعليم المنخفض، والتكنولوجيا وسيلة جبارة لخرق التعتيم الإعلامي وحتى تواطؤ المؤسسات.

مكسب خامس وأحسبه الأهم هو أن التوريث لم يعد ممكنا.. أعتقد الآن أنه حتى لو هدأت الأوضاع –وإن كنت أستبعد ذلك- فإن التوريث لن يحدث.. يدرك النظام جيدا أن خروج الآلاف من الشباب قبل موعد تسمية مرشح الحزب الحاكم بأشهر يدل على إمكانية خروج الملايين حال ما جاء الإعلان عكس التيار تماما.

بل وحتى إن بقي المرشح الرئيس الحالي فإن هذا لن يرضي أحدا وسيكون سببا في اندلاع احتجاجات أشد وطأة من الحالية بالنظر إلى أن أحد المطالب الرئيسية هو عدم ترشح مبارك الأب لولاية جديدة.

لا ننسى أن النظام بات مرتعشا منذ إسقاط ابن علي في تونس وخرجت صحفه بعناوين عن توفير فرص عمل وإصلاحات اقتصادية مع استمرار تجاهل السياسة، والمشكلة بالنسبة له أن التجربة التونسية أحرقت جميع الأوراق الممكنة أمامه.

في مصر ثمة سقف أعلى من الحرية الشكلية كبرامج التوك شو المنتشرة والتي أجمع غالبية ضيوفها على ضرورة إقالة حكومة أحمد نظيف الحالية.. وبالتالي بات هذا هو الحل المرحلي الذي سيأمل النظام أن يكون نهائيا.

ولكن المخيف حقا بالنسبة للنظام هو أن إقالة الحكومة كان قرارا أقدم عليه ابن علي في تونس ولم يؤجل رحيله الذي جاء بعدها بساعات.. كما أن حالة الطوارئ معلنة أصلا وبالتالي لا يوجد أي إجراء أمني شكلي يمكن اتخاذه باستثناء حظر التجوال ربما.

بعبارة أخرى، الكروت التي يملكها النظام في يده وهي قليلة سبق وألقاها ابن علي في تونس ولم تجد نفعا.. والمشكلة أن النظام في القاهرة يدرك أنه لا مفر من الإقدام عليها إذ لا سبيل سوى مزيد من التشدد الأمني مع تلبية لبعض المطالب.. وكل هذا لن يبدو أنه يقابل بترحاب وهذه هي الورطة الحقيقية والكابوس الذي يؤرقه.

أضف إلى ذلك أن كافة الحكام العرب بمن فيهم مبارك نفسه قالوا إنهم يحترمون خيارات التوانسة، وحتى يحافظوا على ما تبقى من صورهم أمام شعوبهم فسيحترمون اختيارات المصريين تماما مثلما طرأ تغير على الخطاب الغربي في التعامل مع احتجاجات مصر.

نقطة أخيرة لا أرغب أن تفوتني وهي أنه لا يعقل أن مدينة مثل السويس تبعد عن القاهرة نحو 130 كيلومترا فقط تبدو وكأنها في قارة أخرى حين تتعرض لمجزرة من جانب الأمن.. إنها صورة بشعة أخرى للمركزية التي تجعل كل شيء في العاصمة ويبقي سواها في الظل.

السبت، يناير 15، 2011

آه يا تونس




بركان من الأفكار والخواطر انفجر في ذهني وأنا أتابع ما حدث ويحدث في تونس خاصة بعد الإيقاع السريع ليوم الجمعة الذي شهد إقالة الحكومة ثم إعلان الطوارئ ففرار الرئيس وسط مظاهرات شعبية حاشدة كانت ذروتها رشق مقر وزارة الداخلية بالحجارة في قلب العاصمة.

في البادئ علينا الإقرار جميعا بأن التوانسة أبطال مهما كانت النتائج التي ستسفر عنها الأيام المقبلة حتى لو كانت ستشمل سرقة أو احتواء الثورة من قبل بعض رموز النظام السابق الذين ظهروا في الكادر وقت إعلان محمد الغنوشي تسلمه السلطة مؤقتا.

شاعر تونس أبو القاسم الشابي هو وحده صاحب البيت الذي ظلل كل الآمال الثورية في البلدان الناطقة بالعربية، وبالتالي كان من حق التاريخ أولا أن تتصدر بلاده جيرانها وتفوز بشرف السبق بأول انتفاضة شعبية تقصي ديكتاتور من طراز بن علي.

كنا نظن في الماضي أن الثورة على الحكام "رجس من عمل الفرس" بعد أن اقتصرت تجارب الشرق الأوسط في هذا المضمار على إسقاط شاه إيران محمد رضا بهلوي منذ 32 عاما حين أقلعت طائرته بحثا عن جهة تستقبله، إلا أن تكرار المشهد مع بن علي الليلة الماضية بدد كثيرا من اليأس.

تونس أسدت جميلا للعالم بأسره وللعرب بوجه خاص كونها أثبتت أن هذه النظم الديكتاتورية "أوهن من بيت العنكبوت"، فحتى لو كان الرئيس مسئولا أمنيا سابقا يشغل منصب وزير الداخلية فإن هذا لن يعصمه أبدا من غضب الشعب فقط إذا "أراد الحياة".

كسر عقدين من الزمان على رأس السلطة لا يعني أن هذا الحاكم قد بات ظل الله على الأرض، ولا يعني أن ثمة شعوبا "مسالمة" ترضى بالأمر الواقع وأخرى "جسورة" ترفض الظلم.. فقط بعض التفاصيل تختلف بين هنا وهناك ولكن يبقى الجميع قادرا على هدم الأصنام التي طالما عُبدت لأنها تتضرر –بطبيعتها- من ضربات الفأس.

رحيل بن علي بهذه الطريقة يؤكد البعد المسرحي للخطابات الشعبية التي يلقيها الحكام وسط عواصف التصفيق وهتافات الفداء بالروح وبالدم، ولعل ذلك أحد أسباب طريقة تعامل وسائل الإعلام العربية الرسمية مع الوضع في تونس الذي يبدو نموذجا قابلا للتكرار.

لا مجال الآن للحديث عن خطاب "طاعة ولي الأمر" مهما فعل أو أن فلانا هو "الحاكم الشرعي" أو إصدار فتوى بإهدار دم من يدعو للخروج على النظام، أو انتقاد فكرة الاعتصامات وتحريم التظاهر، فقد اتضح الآن أن مرددي هذه الأفكار هم فئة من أعداء الشعب ينتفعون ببقاء الأوضاع الحالية لأن من خلالها عرفوا الفضائيات وكونوا الثروات وصار لهم مريدون يقدسونهم وباتوا يشار إليهم بالبنان.

لم يكن غريبا أن يجد ابن علي مقصده لدى نفس النظام الذي استقبل في السابق عيدي أمين، فهذه النظم جميعا لا يوجد لها أي نوع من الشرعية وأرى أن أغلب رؤوسها سيعانون من الآن فصاعدا كوابيس يرون أنفسهم فيها يهرولون على سلالم الطائرات المغادرة.

شخصيا شعرت بأمل كبير في 2011 بعد ثورة تونس، فالعام الذي بدأ كأسوأ ما يكون بحادث كنيسة القديسين ها هو يبتسم للمرة الأولى ويجلب حدثا تاريخيا يعيد الأمل إلى الشعوب التي عانت طويلا تحت نير القمع والخوف.

تهانينا يا أبطال تونس.. أنتم السابقون.



الأحد، يناير 09، 2011

مبعثرات

ثمة مشكلة حقيقية لمن يجد نفسه مطالبا بالتخلص من شعور قلما تعرض له في السابق ولكنه صار الآن يلازمه كظله الذي يطول ويقصر تبعا لمصدر الضوء دون أن يفارقه في النهاية.

كثيرا راودني حلم ألا أفعل أي شيء بإتمامي العقد الرابع من العمر إن قُدِّر لي العيش حتى تلك السن التي لا أدري كم سأكون مندهشا حينها وأنا الذي مازال لا يصدق أنه في أواسط العشرينيات.

في ذلك الحلم لا عمل لي ولا مسئوليات.. فقط أعيش رفقة زوجتي بهدوء وأقابل أصدقائي في سهرة على مقهى كل أسبوع وأعود إلى منزلي لست مطالبا بشيء.

أحيانا يضرب هذا الحلم امتعاضي من فكرة اللامسئولية المطلقة، فأضيف إليه بعض الرتوش كأن أملك مثلا كشك على ناصية الشارع أبيع فيه ما أشاء وأفتحه وأغلقه وقتما أريد وقد أمتنع عن البيع لمجرد أن الزبون لا يروق لي أسلوبه، وهذه الفكرة أقتبسها من صديقي عمرو النحراوي.

أستمتع كثيرا بأن الإضاءة خافتة في منزلي. لا أعني أنها تتسبب في ضعف الإبصار الضعيف أصلا، بل أقول إنها ليست صاخبة وتريح العينين بشكل يبعث على النعاس أغلب فترات اليوم.

أحب ترك النوافذ مغلقة أغلب الوقت حتى في الصيف، ولي علاقة مودة كبيرة مع النوم الذي لم يخذلني في أكثر أوقات احتياجي إليه.

هذه كانت كتابة لأشياء مبعثرة فقط لأنني رغبت في الكتابة.

الجمعة، ديسمبر 31، 2010

تجربة قاسية


الثامن من ديسمبر 2010.. يوم أعتقد أنه سيبقى في ذاكرتي كونه شهد واحدة من أسوأ التجارب التي مررت بها إن لم تكن أسوأها على الإطلاق.

في أبريل 2008 كتبت تدوينة بعنوان "العمر لحظة" تحدثت فيها عن حادث سير تعرضت له وكنت على وشك الموت خلاله وهو وضع قريب الشبه بما تعرضت له مؤخرا.

استأذنت من العمل مبكرا كي أتوجه إلى المطار حتى أستقبل والدتي العائدة من زيارة طويلة لأخي المقيم بالخارج.. أعرف المطار جيدا فقد ذهبت إلى هناك في أكثر من مناسبة منذ أن بدأت القيادة.

سرت باتجاه قصر النيل ودرت إلى داخل الجزيرة مرة أخرى حتى أصعد جسر السادس من أكتوبر الذي يقطع القاهرة حتى مقصدي.

عندما اقتربت من المنطقة أعلى ميدان التحرير بدأت أشعر بتنميل تصاعدي في الكفين والقدمين بجانب اضطراب تدريجي في ضربات القلب.. لم أكن أعرف هل كانت ترتفع أم تنخفض، ووجدت العرق البارد يتسلل إلى جبيني بينما كنت على وشك فقد الشعور بأطرافي كاملة.

ظننت في بادئ الأمر أن ثمة خللا في وضع جلوسي المعتاد يعيق وصول الدم إلى مناطق متعددة من الجسد، فشرعت بينما أستكمل القيادة في ثني وفرد كل ذراع على حدة، كما تعمدت الحديث مع نفسي بصوت عال ولكن شيئا لم يتغير.

بدأ الوضع يسير من سيئ إلى أسوأ.. ولا أستطيع التوقف لأنني أعلى الجسر والطريق يضيق أحيانا بحيث لا يتسع أكثر من سيارتين فضلا عن المنعطفات شديدة الانحناء التي كنت أتجاوزها بسهولة في السابق إلا أنها بدت في ذلك اليوم كأنها الجبال الشاهقة المطالب بتسلقها.

كنت أسير بصعوبة بالغة بسبب عدم قدرتي على التحكم بشكل كامل في الدواسات الثلاث أو ناقل السرعات فضلا عن عجلة القيادة ذاتها.. وكان التساؤل الملح هو "ماذا يحدث؟" ووجدت له إجابة وحيدة "أنا أحتضر".

استبعدت أن يكون الأمر مجرد هبوط لأنني تناولت طعاما معقولا للغاية في العمل ولم أشعر بالجوع، وبالتالي كان التفسير الأقرب في ظل غياب كافة التفاسير المنطقية هو أن الموت اقترب.

صعب علي الاستمرار في القيادة ورأيت أن الحل الأمثل هو التوقف بالسيارة أعلى الجسر مع إعطاء إشارة جانبية في ظل أن إشارة الانتظار لا تعمل.

بنيت القرار على أنه من الأفضل أن أموت وحدي داخل السيارة في هدوء بدلا من أن أسير بها وأصطدم بسيارة أخرى أو أسقط من أعلى الجسر.

عند التوقف.. كنت لازلت غير مصدق لما يجري ولكن هدأت قليلا فقررت مواصلة المسير ببطء خاصة مع اقتراب منزل طريق صلاح سالم وهو الذي سلكته بالفعل حتى توقفت أمام أقرب محطة للوقود كي أشتري عصيرا وشوكولاتة ظنا مني أن ذلك قد يكون الحل.

تناولت ما اشتريت وتابعت المسير، ولكنني فوجئت باختناق حاد أشعر به مع كل مطلع لجسر في الطريق، فتوقفت أعلى أحد الجسور مرة أخرى، وما إن هبطت حتى توقفت على جانب الطريق ولا أدري ماذا أفعل.

لا معنى بالطبع للاتصال بأي من أفراد العائلة لإقلاقهم بشكل بالغ عليّ خاصة وأنني لا أعرف ماذا يحدث.. فكرت في ترك السيارة بأي شارع جانبي واستئجار تاكسي إلى المطار ولكن لأنني لا أعرف المنطقة جيدا فقد استبعدت هذا الاحتمال.

مع مرور الوقت واقتراب موعد الطائرة، قررت مواصلة السير ولكن ببطء بالغ حتى أنني كنت أخرج ذراعي عند مطلع كل جسر وأشير للسيارات القادمة من الخلف بالتهدئة.

بلغت المطار أخيرا.. ذهبت إلى صالة 1 التي كان ينتظر أن تهبط إليها أمي ففوجئت بالعاملين يخبرون مستقبلين آخرين بأن الطائرة ستهبط عند صالة "3".

قبل الذهاب إلى الصالة الأخرى، توجهت إلى الحجر الصحي لقياس ضغط الدم، فأخبرتني الطبيبة أن النتيجة على ما يرام ورجحت أنني بحاجة إلى عصير طبيعي كالذي شربته في الطريق.

ذهبت إلى صالة "3" وكنت أشعر باضطراب في ضربات القلب ولكن بدرجة أقل قليلا.. كنت متوترا للغاية وفوجئت بسيل من المكالمات من زوجتي وأختي وأبي وأخي بل وأمي ذاتها وزملائي في العمل وكنت أجيب باقتضاب شديد ونفاد صبر مهول.

شكت لي أختي خلال مكالمتها من أنها تشعر بتعب بالغ بأعراض مشابهة للتي أعانيها، فأخبرتها أنني أيضا لست بخير حال وطمأنتها بأنني سأستأجر تاكسي للعودة إذا شعرت بعدم القدرة على القيادة.

وصلت أمي أخيرا.. توتري دفعني لأن أضل الطريق في الخروج من المطار أكثر من مرة بينما كانت المكالمات تنهال اطمئنانا عليها مما جعلني أفكر في قذف الهاتف من النافذة حتى أهدأ قليلا.

أخبرتها أنني لست بخير ولذلك سأسير ببطء.. ومع أول جسر كان عليّ عبوره شعرت باختناق بالغ، فقررت أن أسير أسفل الجسور وهو ما جعل الطريق يطول بالنظر إلى اضطراري للسير داخل مصر الجديدة وألماظة ومناطق كهذه.

حين وصلت إلى العباسية كنت قد سلّمت بأنه لا معنى للصبر أكثر.. توجهت إلى مستشفى الدمرداش وبعد نحو ربع ساعة من السير داخلها بلغت عيادة الاستقبال حيث أجري لي قياس ضغط واختبار سريع لمرض السكري ورسم قلب وجاءت النتائج كلها سلبية والحمد لله.

قال لي الطبيب "أنت تعاني تهيؤات ليس أكثر"، فابتسمت وقررت مواصلة السير وحينها اتصل أبي لأن الوقت كان قد طال.

قلت له إنني تعبت قليلا فظن أن حادثة وقعت.. اتصلت أختي فأخبرتني أنها وزوجها في الطريق إلينا.. قلت لها إنني سأواصل السير حتى المهندسين ولنلتقي هناك.

تركت السيارة في المهندسين وركبنا سيارة زوج أختي حتى وصلنا إلى البيت لأبدأ في سماع تفسيرات من طراز أن السبب وراء كل هذا هو "قلة الأكل"، وهو ما أثار امتعاضي بالطبع.

عند الفجر.. فوجئت بنوبة ارتعاش قوية وشعرت ببرودة شديدة وانسداد بالأنف فجلست إلى المدفأة حتى غشيني النوم على الأرض.

في اليوم التالي، اصطحبتني أختي وزوجها إلى طبيب القلب حيث أجريت لي فحوصات اشتباه في الغدة الدرقية ورسم قلب على مدار 24 ساعة عن طريق جهاز يلف حول الجسد يشبه "الحزام الناسف" بجانب صورة دم كاملة.

سجلت أثناء ذلك نوبة ارتعاش جديدة واتصلت بصديق لي على وشك إنهاء دراسة الطب فطمأنني على نبضي وأكد لي أن الأمر ليس إلا توترا.

كانت أختي قد رجحت أن ما عانيته في السيارة هو ما يعرف بـ"نوبة الهلع" أو Panic Attack وعندما قرأت على الإنترنت أعراضها وجدتها تطابق ما حدث لي بالضبط.


جاءت نتائج الفحوصات سلبية والحمد لله مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في ضربات القلب عند نوبة الارتعاش الثانية ولكن الطبيب رأى أنه في الإطار الطبيعي واستبعد أن يكون ذلك نوبة هلع مستشهدا بحالة لتلك النوبات جاءت إليه في السابق ولكنها لم تكن في حال ثبات مثلما كنت أنا.

صرت أجد صعوبة بالغة في القيادة ويجتاحني خوف كبير من صعود الجسور أو زيادة السرعة على الطرق المفتوحة، فعدت إلى المواصلات العامة مرة أخرى ولكنني أصاب أحيانا بأعراض محدودة سواء كنت راكبا أو ماشيا أو حتى في العمل.

هذه الأعراض تعني أنني في مرحلة Limited symptom attack والتي تظهر فيها أربع أعراض أو أقل من الأعراض الأساسية لنوبة الهلع.

أستبعد ما قاله الطبيب لأن استجابات الأشخاص للصدمات النفسية تتفاوت، فقد استطعت التماسك نوعا ما رغم القلق الذي انتابني ولكن حالة الفتاة التي استشهد بها قد تختلف صفاتها عني ومن ثم استجابتها لوضعية مشابهة.

المشكلة أن الموضوع يتطور أحيانا لحالة ما يعرف بـ"رهاب الخلاء" أو "أجروفوبيا" حيث أشعر بانعدام للراحة في الأماكن المفتوحة المزدحمة أو غير المأهولة تماما مثل الطريق من وإلى المنزل وخاصة بالليل، وهذا يبدو في حاجة إلى علاج نفسي إن استمر.

الوضع قد يكون تطور إلى اضطراب دائم للقلق Anxiety disorder وهو ما يتماشى مع طبيعة شخصيتي القلوقة للغاية وتبرزه الأحلام التي طالما رأيتها كتلك الخاصة بالامتحانات والتي بدأت تدهمني بعد التخرج وتحدثت عنها في تدوينة سابقة.

في كل الأحوال يبقى هناك سبب مباشر يفترض أنه المثير لكل هذا القلق الذي ربما يكون تراكميا.. هذا السبب لا أعرفه شخصيا.. قد يكون في باطني ولكن من الصعب أن يبدو كل ذلك مجرد وهم.

أطلت الحديث كثيرا.. ولكن هي مدونتي وملكيتي الخاصة على أي حال.. وشعرت بالحاجة في كتابة هذه السطور قبل نهاية العام على أمل أن تكون بداية الفصل الأخير في علاقتي بهذه الحالة المتدهورة التي أسأل الله ألا يمر بها أحد.

السبت، نوفمبر 13، 2010

عصفور طل من الشباك.. قلت له غور من وشي

نجح عصفور بري في تحويل أجزاء من حياتي إلى جحيم خلال الأيام الأخيرة.. بشكل استدعى إلى ذاكرتي العبارة الساخرة التي كان صديقي يطلقها على واحدة من أغاني عايدة الأيوبي "عصفور".

بالرغم من أنني أعيش في هذا المنزل منذ نحو عام وثلاثة شهور، إلا أن معاناتي مع العصفور هذا لم تبدأ إلا مؤخرا. هو لم يتجاوز حدود النوافذ والشرفات ولكنه يحدث إزعاجا يفوق الوصف خاصة بالنسبة لمن اعتاد الهدوء مثلي على مدار ست سنوات منذ رحيلي عن الجيزة.

مشكلة هذا العصفور أن زجاج النوافذ والشرفات كله من النوع العاكس، وحين بنى أبي المنزل فضّل هذا حتى لا "تجرحنا" الجيران فحين ينظر أحدهم إلى نوافذنا أو شرفاتنا المغلقة لا يرى بالنهار إلا انعاكاسا لصورته، والأمر نفسه إذا كان ينظر ليلا  شريطة ألا نكون قد أضأنا الغرف.

ولأنني أعمل في المساء، أي أغادر المنزل في نحو الثانية ظهرا يوميا وأعود في الواحدة صباحا أو أبعد، فقد اعتدت النوم بعد الفجر والاستيقاظ بعد الظهر وهذه هي الفترة التي يحرمني فيها العصفور من إكمال ثلث ساعة بين الأحلام.

ينظر العصفور إلى الزجاج فيرى انعكاسه فيخيل له أن ثمة عصفورا آخر قد يهاجمه، فيبدأ بالنقر في الانعكاس نقرات متتالية فيصدر صوت احتكاك بالزجاج يقض مضجعي دائما، فأقوم لأطرق بقوة على الزجاج من الداخل فينصرف.

ولا يلبث العصفور دقائق حتى يعود، ولكنه يترك النافذة ويتجه إلى زجاج الشرفة، فأطرق من الداخل فيعود إلى النافذة، وهكذا.

تركت الغرفة بالكامل وذهبت إلى أخرى حيث يتواجد الحاسوب، فجاءني ينقر على شرفتها!

الحل البسيط هو تشويه واجهة المنزل ولصق ورق جرائد على النوافذ والشرفتين من الخارج، ولكن هذا إن تم فلن يلبث إلا أياما معدودة بفعل الرياح فضلا عن إفساد المنظر تماما سواء للساكن أو للجار.

السؤال الذي يلح عليّ: لماذا يصر هذا العصفور على زجاج نوافذي وشرفتي أنا بالتحديد؟ ولماذا لا يدرك حقيقة أن ذلك ليس إلا انعكاسا له مثلما تفعل القطط حين تتجاوز مرحلة الطفولة في الأشهر الأولى؟ لا أعرف.

السبت، أكتوبر 16، 2010

تشيلي




لسبب ما كنت أحب هذا البلد منذ أن كنت صبيا صغيرا أتابع أخبار تصفيات كأس العالم 1998. ربما كان السبب الثنائي الرهيب.. إيفان زامورانو ومارسيلو سالاس، ولكن هذا الأسبوع أضيفت أسباب أخرى كي أتمسك بميلي لتشيلي تتلخص في انتشال عمال منجم سان خوسيه أحياء وفي خير حال.

أسعدني للغاية اهتمام عدد كبير من العرب بالموضوع.. وخاصة رسائل الدعاء والتضامن التي قرأتها على شاشة البث المباشر للحدث، شعرت أخيرا بأن ثمة أمل في أن تسود مشاعر تراحم دون النظرة الإقصائية التي يتبناها قطاع له جماهيريته.

كتب كثيرون عما جرى وعن اهتمام الحكومة التشيلية البالغ بالموضوع رغم أن كاهلها أثقل بعبء آثار الزلزال المدمر في 27 فبراير الماضي.. لا أجد كثيرا لأضيفه سوى المشاركة في تخيل الوضع لو كان قد حدث في مصر.. لم أتذكر مأساة الدويقة أو عبارة السلام.. فقط تذكرت مشهدا واحدا "الخنازير تلقى في حفرة وتردم بالرمال وتحرق بالجير الحي".


الثلاثاء، أكتوبر 05، 2010

مع اللغات


­
ملاحظة لا بد منها: هذا الموضوع من ثلاث فقرات ولا أقصد في أي منها لمزا لأحد أصدقائي ومعارفي.. ولكنه بناء على واقع عرفته في شخصيات قابلتها خلال تجاربي القصيرة.


(1)

لازلت لا أفهم ما هو سر إقحام الكلمات الأجنبية -الإنجليزية بالتحديد- في مواضع لا يوجد فيها عجز للعربية. ولا أعرف من الذي أقرن "بصق" كلمة إنجليزية وسط كل جملة عربية بالتحضر أو علو المكانة الاجتماعية أو ارتفاع المستوى التعليمي أو أي شيء يستوجب التفاخر.

كل من يتعامل منا مع أي جهة خاصة -غير حكومية أعني- ذات علاقة بالتواصل المباشر مع الجمهور يجد دائما عبارات من طراز "حضرتك كلاينت مميز جدا" أو "لو فيه أي كومنت ممكن حضرتك تقولي" أو "لو حضرتك عملت أكسبت للأوفر ده هتكسب كتير" أو "هنبعت لحضرتك الريسيت على البيت أول ما توصلنا الإنفيتيشن".

طبعا لست بحاجة لذكر أن الكلمات الأجنبية السابقة ليست ذات علاقة بالكيمياء أو أي علم دقيق قد يكون تم الاصطلاح على دراسته بالإنجليزية.. بل هي المقابل الإنجليزي لكلمات عربية متداولة وبسيطة مثل "عميل" أو "تعليق/ملاحظة" أو "عرض" أو "قسيمة/فاتورة" أو "دعوة" وبالتالي فإن التكلف واضح كالشمس لدى الإصرار على استبدال لغة أخرى بالعربية.

المضحك في الأمر حقا أن كثيرين ممن يقحمون هذه الكلمات الإنجليزية في عباراتهم لا يعرفون كتابتها الصحيحة وحين يكتبون جملا كاملة فهم يقعون في أخطاء متعلقة بتصريف الفعل to be مثلا، فالأمر بالنسبة لهم لا يعني سوى "عدة الشغل" لأن المجتمع بات يتطلب هذه المظهرية كي يقتنع الآخرون بجدارتهم وكفاءتهم.

وعلى الجهة الأخرى، نجد أن أغلب من يجيدون الإنجليزية عن ظهر قلب نتيجة للتعليم الأجنبي أو أية عوامل أخرى يجهلون العربية بشكل يجعل من العسير على أي منهم أن يخط جملة أو اثنتين بلغته.. بل يفضل لغة دراسته دون تردد.

هذه ليست الصورة كاملة على أي حال، فبين أولئك وهؤلاء هناك من يكتب لغة عربية صحيحة ويجيد لغة أجنبية أو اثنتين وربما أكثر.. هذه الفئة أحترمها بالفعل.. هم لم يأتوا بالمعجزة سلوكيا.. ولكن في ظروف كهذه يبدو الشخص الطبيعي استثنائيا.

  
(2)

صار مألوفا لدي أن أجد من يدرس الإيطالية متيما بكل ما هو إيطالي، وأن من يعرف الفرنسية يحب فرنسا أكثر من الباريسيين أنفسهم، أما من يعرف الإسبانية فهو يضع علم إسبانيا على صورته الشخصية بالمواقع الاجتماعية وكأنه وكيل مدريد في القاهرة.

كنت أفسر هذا بحب كل ما هو جديد أو حب ما يتعلمه المرء أو بالمراهقة ولكن ذات مرة حكى لي صديق عن شخص يعرفه درس اللغة العبرية في الجامعة.. فتحول إلى تشجيع فريق تشيلسي الإنجليزي حين هجره أغلب محبيه من العرب في 2008 والسبب أن المدرب كان الإسرائيلي أفرام جرانت!!

فقط لأنه درس العبرية لم يعد يرى في إسرائيل العدو أو الشر، بل هي دولة كسائر الدول قد يتعاطف مع "مواطنيها" لأنه يعرف لغتهم ويردد أمثالهم وسبابهم ونكاتهم تماما مثل من يعرف الإسبانية ويحب الإسبان ومن يعرف الألمانية فيظن نفسه من مواليد دورتموند.
                     
لا أريد القول بأن ثمة خللا في الانتماء أو رغبة فيه، ولكن المؤكد أن هناك خللا في التفكير أو انعداما له بالكلية.


(3)

الأمر قد يأخذ بعدا آخر لدى بعض الدارسين للغة بعينها وبالأخص بعض الأكاديميين منهم، فمن درس الفرنسية مثلا يخيل له أن العالم الخارجي كله يتحدثها بما في ذلك الصين والهند وبلغاريا وطاجيكستان إن كان قد سمع عنها.

يظن دوما أن اللغة التي تعلمها هي الأهم وهي "لغة المرحلة" وهي التي تتيح له ما يُحرم منه غيره، بينما هو في الواقع أحادي النظرة لا يرى سوى الأرض التي يقف عليها.. وإن دقق لبرهة سيدرك كم الكون أرحب من مجال لغته الضيق.

هو يعيش في حلقة دائمة من "بانوراما فرنسية" أو "إسبانية" أو "ألمانية" فيظن أن العلم كله كتب بهذه اللغة الأجنبية التي يتناسى أن غيره من أبناء بلده يعرفونها، ويتصور أن الحياة في الغرب لا توجد إلا في الدولة الناطقة بهذه اللغة فقط.. ويتطور الأمر إلى أن ينطق أسماء اللغات الأخرى باللغة التي يعرفها وكأنها لسان العالم الأوحد.

 من يندرجون تحت هذا النمط من البشر هم أسوأ وسيلة دعاية للغات التي يعرفونها، فهم يثيرون حنقا تجاه اللغة نفسها بشكل يجعل الشخص العادي يفضل اختيار لغة أخرى لتعلمها كي لا يستمع إلى ملاحظاتهم وحتى لا يزاحموه عالمه. 

الاثنين، أغسطس 30، 2010

ضد الحكومة.. وضدنا



حقا بات أمرا مثيرا للاشمئزاز ما يحدث في مصر يوميا من انقطاع للتيار الكهربي لسبب صار معروفا للجميع وهو أزمة الغاز الذي نصدره لإسرائيل مدعما.
 في هذا الشأن –كغيره من أغلب الشئون- تجدني ضد الحكومة تماما وأكاد أتلو الفاتحة على أرواحنا نحن الشعب الصامت الذي بات في حالة موات تام تجعله يتقبل كل شيء بعد نوبة من السباب سريعا ما تنتهي.
هذا ربما هو شعور نسبة كبيرة أحسب أنني أنتمي إليها، وهي نفس الفئة التي تناقلت بعجب تصريحات المسئول الكبير الذي أكد على أن انقطاع التيار يزيد من ثواب الصائم، وهي ذاتها التي تنظر إلى الأزمة بعين لا تتحول عن ضعف الأداء الحكومي أو غيابه بالكامل.
ولكن الأمر بالنسبة لي يشمل شعورا آخر يغالبني أيضا -لا أزعم الانفراد به عن غيري- وهو أننا لا نستحق إلا هذا الذي يحدث لنا.. وأبرز لذلك سببا أتمنى ألا يراه البعض نوعا من جلد ذات وهو "إساءة الاستهلاك".
قد لا يختلف اثنان على أن مصر صارت بلدا استهلاكيا أكثر من أن يكون إنتاجيا.. والأدلة أكثر من أن تعد أو تحصى.. ربما نجحنا في صناعة السينما أو الدراما ولكننا بالمقابل تراجعنا كثيرا على مستوى الأغذية مثلا.. فلا نزرع إلا قليلا في حين أننا نلتهم الكثير المستورد.

انظر حولك.. ما هي الوظائف التي تنتظر أغلب الخريجين دون انتقاص من أي منها؟ مراكز خدمة العملاء؟ السياحة؟ ستجد بلا شك أن أغلب ما نتحدث عنه هو ما ينتمي إلى القطاع الخدمي وليس الإنتاجي.. هل نزرع؟ هل نصنع؟ وكيف ينظر المجتمع إلى كلية الزراعة أو حامل شهادة التعليم الصناعي؟
ما أقوله ليس بعيدا عن الموضوع كما قد يبدو.. بل هو صورة وثيقة الصلة بثقافة الاستهلاك التي باتت سائدة، والتي تجعل الواحد منا يرتعد إذا فكر كيف ستكون مصر إن خاضت حربا لأي سبب؟ من أين سنأكل؟ لا أحد يعلم.
هذا كله مرتبط بأن الاستهلاك بات هو التوجه العام.. ولأن لا أحد ينتج فليس هناك من يعرف قيمة الماء الذي يصل عبر شبكات أو ثمن الكهرباء المولدة.. كل شيء يأتي من حيث يأتي ولا يهم سوى أننا نستهلكه بعد أن يأتي.

البيت الذي يضم غرفتين في كل منهما مكيِّف هواء بالتقسيط.. يشهد في إحداهما جلوس الوالد وزوجته أمام التلفاز، وفي الأخرى شابا يستعمل حاسبه الشخصي، وفي الحمام مغلسة أوتوماتيكية لا تتوقف وسخانا كهربيا يرفع درجة حرارة الماء، بينما كل مصابيح المنزل مضاءة.

حين ينتقل الشاب المتعلم إلى الحمام لسبب تافه مثل حلاقة ذقنه فإنه لا يكلف خاطره أن يغلق المكيف في غرفته حتى يعود أو أن يغلق الحاسب توفيرا للطاقة.. وحين يقف أمام الحوض يترك الصنبور مفتوحا كشلالات ريبون بينما تركيزه كله هو إزاحة المسحوق من لحيته باستخدام الماكينة، وكأننا في بلد لا توجد به قرى قريبة من النيل لا تجد نقطة ماء.

حين يتأمل أحدنا مثل هذه الصور فإن الكلام عن مبادرات لمواجهة التغير المناخي مثل "ساعة الأرض" يبدو من قبيل الفكاهة أو الحديث عن علم النانو، فنحن لم نعد مؤهلين لإدراك قيمة الكثير من الأشياء.

ما أقوله هنا ليس من باب حملات التوعية الكلاسيكية التي نبحث عنها عبر "يوتيوب" للتندر مثل "هي كلمة!!"، ولست بحاجة أيضا للتأكيد على أنني لا أنحاز إلى موقف الحكومة ولو لمليمتر واحد.. فقط أريد أن ننظر في مرآة لا تعكس ما نعترف به الآن من قيم، لربما ندرك وجود خلل عفلناه. 

الأحد، أغسطس 08، 2010

دعوة في رمضان




لا داعي للشك.. لن أدعو أصدقائي للصلاة وإحسان الصيام أو قيام الليل أو أي شيء يتعلق بالعبادات خلال الشهر الكريم لعدة أسباب أولها أنني لست أهلا لذلك.. كما أنني لا أدعو أيضا إلى عدم الإفراط في طعام الإفطار أو خفض استهلاك الكهرباء قدر الإمكان وإن كان ذلك واجبا.

فقط أتوجه بالدعوة إلى من يتلو القرآن خلال هذا الشهر- شأنه شأن نسبة كبيرة من المسلمين- بأن يتدبر قليلا لا في القَصص والمعاني وحدها بل في اللغة أيضا وخاصة على مستويين هما الإملاء والنحو الذي يساعد كذلك على فهم التفسير لأنه ليس أداة تجميلية فحسب كما يعتقد البعض.

من الفرص النادرة أن تحظى بكتاب يخلو من الأخطاء الإملائية والنحوية والتي يتسابق عليها في أغلب الكتب الأخرى الكاتب ذاته بجانب المسئول عن جمع الأحرف "التايبيست" بحيث يظهر في النهاية مطبوع يشوه مظهر اللغة ويكسب شرعية للكتابة بأساليب ركيكة ومبتذلة.

منذ عامين تقريبا كنت أكتب التنوين بالفتحة على الألف ذاتها إلى أن نبهني صديقي مهند الشناوي أن التنوين يوضع على الحرف الأصلي الأخير من الكلمة. حينها أدركت أن جزءا من قراءتي للمصحف كان منتقصا لعدم ملاحظتي هذه الحقيقة.. وصرت أتعمد أن أكون أكثر دقة وأقوى ملاحظة لدى التلاوة حتى أستمر في تصويب الأخطاء التي أقع فيها.

أظن أن بعض الأخطاء اللغوية الفاجعة التي نقرأها هنا وهناك -وبخاصة على الإنترنت- من أناس متعلمين مثل "إنشاء الله" و"واللهي" و"بئا" تدل على البعد الكامل عن قراءة النص العربي والنظر فيه بأدنى درجات التأمل.

وبما أن شهر رمضان يشهد إقبال عدد كبير من الناس على تلاوة القرآن فمن الأولى أن نستغل هذه الفرصة التي تبدو نادرة كي نتوقف قليلا ونلاحظ الفارق بين لا النافية وأختها الناهية، وبين لم ولن، وندرك أن اسم كان المؤخر لا ينصب وأن الفاعل مرفوع وأن المصادر الخماسية لا تحتاج إلى همزة قطع.. إلى ذلك.

إن ما تحمله هذه الدعوة هو عينه ما كان سيجنبنا التعرض لمن نراهم الآن من خطباء مساجد يجيدون تلاوة القرآن على الوجه الأكمل دون أخطاء.. ولكنهم حين يرتقون المنابر يتجاهلون قواعد الأسماء الخمسة ويجرون الفاعل ويرفعون المجرور دون استحياء.

إن كان النظام التعليمي وعوامل أخرى قد حالت دون إجادتنا للعربية بصورة صحيحة.. فنحن مازلنا بعد نملك الفرصة للارتقاء بمستوانا.. فقط إن لم يقتصر هدف قارئ القرآن خلال الشهر على نيل الثواب والأجر في الآخرة.

الجمعة، يوليو 23، 2010

شطحة تأملية


حاولت على مدار اليومين الأخيرين أن أفكر فيما تعنيه ذكرى 23 يوليو بالنسبة لي. صحيح أنني كتبت الأهداف الستة لهذه الحركة مرارا وتكرارا أثناء دراستي والتي كان آخرها "إقامة حياة ديمقراطية سليمة".. إلا أنني أجد صعوبة في إصدار حكم من جانبي على ما حدث.. ولكن أخرج بمبدأ قد يكون عاما في نظرتي للأمور من هذا النوع.

لا توجد وسيلة لتشويه فكرة أو نظرية أو مذهب أسوأ من احتكاره والجزم بأن سلوكي هذا هو التطبيق السليم. صحيح من حقي أن أقتنع بهذا من داخلي.. ولكن لا ينبغي أن تمتد قناعتي إلى فرض على الآخرين بحيث يصير أي تبنٍ لتطبيق مغاير لذات الفكرة شذوذا وانحرافا.

ما حدث بعد 23 يوليو 1952 بدّل مفهوم الثورة لدى الناس.. فحركة الضباط هذه لم تجد غضاضة في اعتبار أنها ثورة دون أن يكون للجماهير دور في الموضوع ليتعطل الشارع إلى الآن. ولم تكتف هذه المجموعة بذلك فقدمت طرحا فكريا قالت إنه عين الاشتراكية اقتصاديا وجوهر القومية سياسيا.

توالت السنون، وحين تُذكر الاشتراكية اليوم في ظل ارتفاع الأسعار وسياسات الاحتكار.. تُقابل بصيحات الاستهجان وبعبارات من طراز "دي أيام شفناها انت ماتعرفش عنها حاجة" و"دي أفكار فشلت في الستينيات وفشلت في بلادها".

وبالمثل، لا معنى للتوجه القومي حاليا، فشعارات مثل "مصر فقط" و"أنا مش عربي" وغيرها باتت مرفوعة دون استحياء، وتراجعت اللغة العربية كثيرا وظهرت صفحة "ويكيبيديا مصري" وساد الفرانكو.. إلى ذلك.

هنا أدرك حجم الإساءة التي دفعت بها "الثورة" إلى هاتين الفكرتين "الاشتراكية" و"القومية" رغم أنهما كانتا عنوان الراية التي رفعت وقتها وتم في سبيلهما التضحية بالغالي والنفيس من أبناء الوطن الذين اكتظت بهم المعتقلات.

الأمر تكرر في عقود أخرى حين قُتل السائحون والأبرياء باسم الإسلام وقوبل ذلك من الأمن بتعسف وغباء معتاد فتفاقمت المسألة وبات كل من يقدم الآن طرحا إسلاميا يحتاج أولا إلى تأكيد نبذه للعنف وتجنبه للأفكار الإقصائية التي جاهر بها سابقون له ادعوا أن ما كانوا يرونه هو وحده الرسالة.

لو أن أولئك اكتفوا بتوصيف أفكارهم بأنها رؤيتهم أو فهمهم هم للإسلام لانتهى الأمر، وكذلك لو فعل رجال "الثورة" مع الاشتراكية والقومية دون احتكار أي من الشعارين.. لما عانينا اليوم من ضباب التعميم الذي يلتصق بكل فكرة مغايرة لما هو مناف للواقع المفروض.

لو لم يحتكر أحد الفكرة.. لما نُظر إلى الشخص الملتحي بشبهة الإرهاب، ولا إلى الاشتراكي بشك في عقيدته، ولا كفرت الفرق والمذاهب بعضها البعض ولا كانت تطبيقات "شعب الله المختار" هي السائدة لدى أغلبنا. 

الأحد، يوليو 18، 2010

أحلام وأوهام

من الطريف أن أتباهى دوما بأنني لم ألق بالا لامتحانات الثانوية العامة حين كنت طالبا قبل سنوات.. ثم أجدها وقد تحولت إلى كابوس لي بعد انتهاء الدراسة والعمل وما يعرف اصطلاحا باسم الاستقرار.

في 2008 كنت أفكر في دراسة اللغة الفرنسية التي لم تكن اختياري كلغة أجنبية ثانية في المرحلة الثانوية. تزامن ذلك مع حلم تكرر بشكل مقيت هو أنني غيرت اللغة الثانية في استمارة الامتحان التي تسبقه بأشهر وجعلتها الفرنسية بدلا من الإسبانية.. دون أن أعرف عبارة واحدة من لسان أبناء بلاد الغال!

في مرة أراني أبحث عمن يعيرني كتاب الفرنسية كي أستذكر أي شيء وبأية وسيلة قبل الامتحان الذي يأتي بعد ثلاثة أشهر – بحسب أجواء الحلم – ثم أراني في مرة أخرى وقد دخلت بالفعل إلى لجنة الامتحان وجاءتني ورقة الأسئلة التي أنظر إليها بدهشة كبيرة ثم أنتبه على صوت منبهي.

كنت أتساءل في أوقات اليقظة عن السبب الذي يدفعني إلى الذهاب للامتحان رغم أنني متأكد من فشلي في الفرنسية لجهلي بها قبل أي شيء آخر.

قطعت الشك باليقين في الربع الأخير من ذلك العام.. فكانت البداية مع تسجيلات لميشيل توماس أهلتني بعض الشيء لتكوين خلفية عن اللغة.. ثم درست أول مستوى في المركز الثقافي الفرنسي.. ففارقني الحلم.. ولكنه تبدل في صورة أخرى!!

من يعرفني عن قرب يدرك أنني أول كافر بالرياضيات.. لا أجد أي معنى للوغاريتمات وجيب الزاوية وظل الزاوية بل وجيب تمام الزاوية.. كما أن المسائل من نوعية "عددان مجموعهما ألف وحاصل ضربهما 16" تبدو بالنسبة لي مجرد مران لانتزاع جنيه ذهبي من طارق علام إن صادفته وقتما كان يقدم برنامجه المستفز.

جمعت 39 درجة من 50 عن مادة "الرياضيات 1" التي فرضت علي رغم أنفي، والمشكلة في الحلم الأخير هي أنني أراني في شهر فبراير وقد اقترب امتحان الإحصاء ولا أعرف قانونا واحدا.. ولم أعثر على مدرس يعلمني بشكل خاص أسس هذه المادة.

هذا بالفعل ما قد كان في الثانوية حين درست هذه المادة في شهر واحد ولكنني حصلت على الدرجة النهائية في سابقة تشبه فوز مدغشقر بكأس أفريقيا إن قدّر أن يحدث ذلك.. ولكن في الحلم يبدو أنني لم أكن أعرف أي شيء لأن في المرة الأخيرة رأيتني ليلة الامتحان دون أدنى معلومة عن الإحصاء.

كل هذا يبدو عبثيا من الظاهر.. ولكن ما يقلقني هو لماذا تتحول أشياء لم تهز شعرة من رأسي في وقتها إلى كوابيس أو مصادر قلق رغم عدم وجود أي تهديد من جانبها في الفترة الحالية؟ رجاء ألا ينصحني أحد بالاتصال بمن يدعى الشيخ سيد أو بأن أُحسِن الغطاء قبل النوم أو أن يبادرني بالسؤال "سمنك في الأكل كتير؟".

الأحد، يونيو 27، 2010

لو كنا في المونديال


هذا الموضوع ليس من قبيل ادعاء علم الغيب أو الجزم بما كان سيكون لو تأهل المنتخب المصري في نوفمبر الماضي إلى كأس العالم، ولكن كل في الأمر أنني أتأمل من زاويتين.. الأولى لمشجع ما عاد يحضر من المدرجات سوى مباريات المنتخب الذي آزره في آخر ثلاث تصفيات للمونديال وبات يستشعر بشكل ما كيف تسير الأمور بما جعل خياله سجينا لظاهرة "ديجافو" اللعينة.
أما الزاوية الثانية، فهي لمواطن مصري ساءه كثيرا ما يراه يوميا في بلده، ويدب فيه اليأس أحيانا وتكاد عبارة "لا فائدة" تقتله كلما اصطدم بواقع أليم لا يؤثر عليه ظاهريا بسبب استعانته بواجهة اللامبالاة.
أرجو من قارئ هذه السطور أن يتحلى قليلا بالصبر.. وهذا ليس بجديد على أي مصري خاصة وإن كان من هواة كرة القدم.


+ زاوية المشجع:
فرحت كثيرا حين شاهدت محمد بركات وهو يسجل الهدف الثالث في مرمى الجزائر في الدقيقة السادسة من الوقت بدل الضائع. عدت إلى منزلي سكيرا من لذة الفوز وكان الفجر للتو يؤذن وقد ظلت أبواق السيارات تصيح لمدة أسبوع كامل.
لا حديث للجميع إلا عن كأس العالم وماذا سنفعل في زيارتنا الثانية لجنوب أفريقيا، وقد استقر الرأي على ضغط مباريات الدوري والكأس حتى يتفرغ المنتخب تماما للمونديال بدءا من مايو بدلا من إلغاء المسابقة المحلية كما فعلنا من فرط الفرحة قبيل نهائيات 1990.
الجميع كان يدرك ضمنيا أن كأس الأمم الأفريقية هي للتجربة هذه المرة، وكلنا خشي الإصابات وبالتالي كان الخروج من دور الثمانية أمام الكاميرون منطقيا. أنجبت لنا البطولة لاعبا رائعا هو "جدو" الذي استفاد من الدقائق التي لعبها ليصبح حلمنا أن نراه برفقة أبو تريكة بعد تعافيه في المونديال.
مر الوقت سريعا بعد التعادل الودي مع صربيا، وعلى عكس شتاء جنوب أفريقيا.. أقمنا معسكرا في الكويت بطقسها الحار تلبية لدعوة خاصة لحسن شحاتة، واستفاد جميع مسئولي كرة القدم في مصر من هذه الزيارة ماديا.
وصلنا جنوب أفريقيا بقائمة من أصحاب الخبرة. محمد شوقي كان الغائب الأبرز والجميع في مصر يتحدثون فنيا عن مشكلة التعامل مع الكرات العرضية عند الدفاع.
كانت الأجواء كرنفالية للغاية بحسب ما رأيناه من تقارير مراسلي برامج الفضائيات، فهؤلاء كانوا تقريبا ينامون تحت أسرة اللاعبين في فنادقهم فيخرجون بكل كبيرة وصغيرة للجمهور، كما أن نجلي الرئيس أصرا على مرافقة اللاعبين أينما ذهبوا وتصدرت صورهما الأغاني التي تم إعدادها خصيصا لتشجيع مصر في المونديال.
السفر للتشجيع كان لا يجوز إلا عبر بوابة الحزب الوطني.. والتكلفة للمشجع الواحد بلغت 15 ألف جنيه بعد الدعم، وعلى الرغم من ذلك ذهب الآلاف لمؤازرة الفريق الذي عانت عناصره من ضغط إعلامي هائل بسبب الحديث عمن سنواجه في دور الستة عشر وضرورة تجنب لقاء ألمانيا.
في المباراة الأولى أمام سلوفينيا، فوجئنا بهدف مبكر من كرة عرضية معتادة، إلا أن التعادل جاء عبر عماد متعب لتنتهي النتيجة بهدف لكل فريق.
دخلنا مباراة إنجلترا بذكريات التألق أمام البرازيل وإيطاليا، وبالفعل انتزعنا تعادلا سلبيا لنواجه الولايات المتحدة في محاولة للثأر من هزيمتنا في كأس القارات.
تقدمنا أولا بهدف لحسني عبد ربه من ركلة جزاء، وبعدها مال الفريق بالكامل إلى الاستعراض. أحمد حسن سدد خمس كرات من نصف الملعب جميعها في المدرجات، وحسام غالي لم يهدأ إلا بعد أن مرر الكرة من بين ساقي ثلاثة لاعبين أمريكيين، ووسط كل هذا.. أعاد عبد الظاهر السقا كرة صعبة إلى عصام الحضري خطفها لاندون دونوفان ليتعادل.
وانهار فريقنا جراء التعادل وتعرض عمرو زكي للبطاقة الحمراء بسبب عصبيته.. فجاء هدف ثان عبر دونوفان أيضا ولكن من تسديدة استعان فيها بدهاء كرة جابولاني لتخدع الحضري وتمر إلى الشباك.
عدنا إلى القاهرة وأصرت الصحف على اعتبار الخروج مشرفا لسببين.. الأول لأنه لا يمكن أن يكون غير ذلك ونجلا الرئيس متواجدان مع الفريق، والآخر لأن الصحف الجزائرية انتظرت الإخفاق لتؤكد فشل الفراعنة في تمثيل الكرة العربية.
تم تجديد الثقة في شحاتة ومعاونيه مع وعد ببناء فريق شاب يكون حاضرا للمنافسة في مونديال 2014 على عكس ما نادى به علاء الصادق الذي أكد أن التأهل كان بفضل هذا الجيل وليس المدرب، في حين أن كريم شحاتة - مرافق البعثة- استمات في الدفاع عن والده.
تداولت المواقع الإخبارية أنباء غير معقولة نقلا عن وكلاء اللاعبين، فمتعب مطلوب الآن في ليفربول وجدو هو هدف لبرشلونة بينما يتم الحديث مرة أخرى عن أحمد المحمدي وسندرلاند.


+ زاوية المواطن:
لم أصدق هذا الكم الهائل من الأغنيات التي تبارى المطربون في إعدادها للمنتخب. لقد عاد د.محمد البرادعي إلى مصر بحديث عن ضرورة التغيير ولكن يبدو أن كل شيء مرجأ إلى ما بعد المونديال. تابعت قبل البطولة أن إسرائيل هاجمت سفينة مساعدات تركية كانت متوجهة إلى قطاع غزة لكسر الحصار ولكن ذلك لم يلق صدى في الشارع المصري على الإطلاق.
في أيام المونديال الأولى، تداولت بعض الصحف الخاصة خبرا مقتضبا عن إمكانية أن يكون شاب في الإسكندرية قد قتل على يد مخبرين اثنين بسبب التعذيب، ولكن يبدو أن المونديال غطى على كل هذه الملفات بما فيها انتخابات مجلس الشورى التي لا أعرف متى تحديدا جرت وعما أسفرت.
ساد جدل كبير حول مشاهدة المباريات عبر التلفزيون الأرضي أو حتمية الاشتراك في الجزيرة الرياضية، ورفعت المقاهي الأسعار إلى درجة لا تصدق بينما اكتست الشوارع بإعلانات تظهر نجوم البرامج الرياضية يقدمون برامج مثل "مونديال الفراعنة" و"معك يا شحاتة" وأشياء كهذه.
غير المهتمين بالكرة باتوا أكثر انجذابا لها من هواتها، البنات جعلن ألوان العلم هي الزي الرسمي في مشهد أعاد كأس الأمم 2006 إلى الأذهان. تحولت كل المجالس إلى ما يشبه دار إفتاء كروية، فلا يوجد من لا يعرف مكامن قوة سلوفينيا أو نقاط ضعف إنجلترا.. الكل يفهم.. الكل موسوعة.
بعد انتهاء مشاركتنا، فوجئت شخصيا بأن قضايا التعذيب عادت للنقاش مرة أخرى، كل المساوئ طفت على السطح من جديد، ولكن شاهدت للتو مقابلة مع البرادعي في التلفزيون سئل خلالها عما إذا كان يعتبر الإقصاء من كأس العالم جزءا من "منظومة الفشل".

الأحد، يونيو 13، 2010

سِنة مع المدونة

أول ما أتمناه من قارئ هذه التدوينة هو أن يلاحظ التشكيل على أولى كلمات العنوان فلا يقرأ السين مفتوحة بحكم الاعتياد حتى يصل المعنى الذي أريده تحديدا.

حسنا.. في هذه السِنة التي تأخذني وسط الارتباط بكأس العالم بسبب الهواية أولا والعمل ثانيا، أتعرض لعدة نقاط..

أما الأولى فهي أن الحزن الذي أصابنا جميعا لحادثة مقتل خالد سعيد يشعرني حقيقة بالخطر.. ويجعلني أفكر كثيرا ماذا سأفعل إن وضعت بدلا منه في آخر مشاهد حياته.. هل سأتمسك بحقي وليكن ما يكون؟ أم سأوثر السلامة وتبقي في حياتي نقطة جديدة تسبب ضيقا في صدري كلما أتذكرها؟ حقا سؤال صعب.. ولا أعرف الإجابة عنه.

وأما الثانية فهي أنني أندهش حقا ممن يبدون استياءهم من "حمى كأس العالم" فأنا لم أعد أرى الأمر هوسا كما كان في السابق.. فالهموم والمتاعب قد زحفت على مساحات كانت تحتلها الهوايات، ومنها كرة القدم، فأصابتها بالتآكل وقلصت وجودها في صورة جزر صغيرة بمحيط من الانشغال الدائم.

النقطة الثالثة مرتبطة بالسابقة، وهي أن الجزائر تلعب بعد ساعات من الآن في كأس العالم، حقا كنت أتمنى أن يكون فريق بلادي هناك.. ولكن ذلك لا يعني أنني لن أشجع الخضر مثل البعض ممن شربوا الكأس حتى الثمالة.. ولهذا كانت فكرة إطلاق مجموعة عبر "فيسبوك" للمصريين الذين سيشجعون الجزائر في المونديال.

المسألة هدأت بعض الشيء بسبب انخفاض أبواق الفتنة واتضاح ما كنا نظنه واضحا من البداية، ولذلك استعادت الغالبية من الجمهور المصري الوعي وبدت متعاطفة مع الفريق الجزائري كما ينبغي الحال أن يكون.

كنت أحسب أن لدي نقاطا أكثر للحديث.. ولكن فقط ما سبق هو ملء جعبتي.


للأسف خاصية الهايبرلينك لا تعمل لسبب لا أعرفه.. وبالتالي رابط مجموعة الفيسبوك عن الجزائر لمن أراد:
http://www.facebook.com/#!/group.php?gid=108607239180208&ref=ts

السبت، مايو 15، 2010

النكبة وأشياء أخرى



أخيرا انتهيت من الأعمال التحضيرية لكأس العالم.. أو على الأقل الجزء المطلوب مني.. وما سأفعله أكثر من ذلك سيكون "من باب الجدعنة" وبغض النظر عن الأمر من أصله.. المهم أنني انتهيت منه قبل أن يقضي هو عليّ.

نعيش الآن الذكرى رقم 62 للنكبة.. ولا يوجد ما يعبر عن سوء حالنا إلا هذه التدوينة التي تضم النكبة إلى أشياء أخرى على اعتبار أن الأمر بات معتادا أو من الممكن أن تزاحمه أمور شتى.

ألاحظ أن يوم 15 مايو الذي هو ذكرى النكبة هو نفسه اليوم الذي يذكر في مصر باعتباره "ثورة التصحيح" ولا أعرف كيف بلغ النفاق درجة إطلاق ذلك التاريخ الأسود على جسر رئيسي بالقاهرة بل وعلى مدينة سكنية بالكامل.. من المؤكد أن صاحب هذه الفكرة النفاقية وقتها لم يكن يعرف أن 15 مايو هو يوم النكبة.. ولكن حتى إن كان يعرف؟ فلسطين كلها لا تعني له شيئا.

--------.

لا أعرف حقيقة إلى أي حد وصلت الازدواجية في مجتمعنا.. صورها أكثر من أن تعد أو تحصى.. أنا شخصيا ازدواجي.. ولكن ليس لدرجة الفتيات اللاتي يعبرن عن ضيقهن من دخان السجائر بمناسبة أو بدون بل ولا يجدن حرجا في نعت المدخن بالحيوان طالما لا يراعي وجود أبنائه الصغار وزوجته مرهفة الإحساس... وهن من حين يتركن لأقلامهن، أو بالأحرى لأزرار حواسبهن، العنان فإن فارس الأحلام دائما يكون مقرونا بالسجائر!

"فنفث دخانه وهمس لي.."، "فتناول علبة سجائره واختار واحدة بعناية"، "فخاطبني والسيجارة لا تغادر فمه.."، "كم أتمنى أن أعانق شفتيه كسيجارته!".. كلها عبارات يمكن لأي شخص أن يراها في مدونات أو خواطر تنشر عبر المنتديات هي كلها لفتيات لا تفوت مواضع أخرى للعن السجائر والانضمام لحملات "من حقي أن أستنشق هواء نظيفا" بينما هي غارقة في صورة الفارس الذي ينفث ما يحرق في صدره كالتنين المرسوم على علم إمارة ويلز.

الأمر لا يختلف بالنسبة لي عما سبق وكتبه أحمد خالد توفيق عن نمط آخر من النساء اللاتي دأبن على لعن الرجل باعتبار أنه لا يرى في المرأة سوى جسد فقط، وحين يتكبن أية أعمال فإنها لا تدور إلا في فلك "ذاكرة جسد" و"حين ازدحم فراشي" إلى ذلك من عناوين مستفزة في حد ذاتها تؤكد أن هذا النوع من النساء هو من اختزل قيمة المرأة في الجسد قبل أن يفعل ذلك قطاع من الرجال غير الأسوياء.

----------.

مضت بي الأيام وعلمتني أن الصمت من ذهب بعد أن كان لساني سليطا يعشق المبارزات الكلامية.. صحيح كنت أفضل أغلب فترات عمري الوقوف على قطعة الأرض التي تجمعني بمن يختلف عني.. ولكن من لا يريد إلا قناعته هو ورؤيته هو وعبارات التصفيق والإشادة فليس له أفضل من ركلة تسقطه في بركة ليتسمم السمك.. ولكن لست صاحب هذه الركلة.. سأتركه ليركله غيري.