الثلاثاء، يناير 10، 2017

أدعياء الدعوة

نشرت بموقع "ساسة بوست" في وقت سابق.
قبل خمسة عشر عامًا أصدر الثنائي الأسترالي “سافيدج غاردن” أغنيتهما الشهيرة “Affirmation” والتي كانت بمثابة إعلان أو جهر بعدة قناعات تعبر عن الشباب الذي يرى كثيرًا من الأمور بمنظور يخالف التوجهات المجتمعية السائدة، فكان من بين ما قيل عبارة I believe that God does not endorse TV evangelists أي “أعتقد أن الله لا يقر مبشري التلفزة”.
الجملة بطبيعة الحال تشير إلى المبشرين الذين يخاطبون الجمهور عبر شاشة التلفاز، وهي ظاهرة بدأت في الرواج خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة بريادة من البروتسانت تزامنًا مع انتشار قيم غير دينية كالنزعة الإلحادية، أو ما عُرف بالثورة الجنسية.
وشيئًا فشيئًا انتشرت الظاهرة متجاوزة الغرب ووصلت إلى المجتمعات العربية وبلغت ذروتها في أيامنا هذه لا عبر التلفزة فحسب، بل أيضًا عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي.
وبدلًا من المبشر صار هناك “الداعية”، ولكن الأدوات تكاد تكون واحدة، فالديكور يتكلف الملايين، وملابس المتحدث دائمًا تواكب الموضة، كما أن مفردات كلماته عصرية إلى درجة بعيدة، ما يجعل الباقة المقدمة تلقى قبولًا لدى الشرائح العليا من الطبقة الوسطى، أو الطبقة العليا عمومًا، وربما تحظى بمباركة وتأييد من النخب الحاكمة، بل وحتى بعض التعاطف غير المعتاد من صناع السينما وكُتّاب الدراما الذين كانوا يشيطنون في الماضي القريب صاحب أي خطاب ديني.
ومع استفحال الظاهرة صار من غير المستهجن أن تجد “داعية شابًا” لا يضاهي أقل طلاب العلوم الدينية بضاعة، ينشر صورة على صفحته في فيسبوك وهو في منتجع سياحي ثم تقرأ التعليق المصاحب فتجد عظة تتحدث عن الصبر في “الشدائد”! فهو تمامًا كزميله الذي يظهر وخلفه ديكور تكلف الملايين ليحدث جمهوره عن فضيلة الصَدَقة، أو آثار الزهد.
هذا الخطاب يروج إصدارًا برجوازيًا من الإسلام على مقاس شرائح مجتمعية بعينها لا تلتفت إلى التناقضات الواضحة، ولكنه في الوقت ذاته يتجاهل قيمًا وفضائل أخرى قد يجعلها الواقع أكثر إلحاحًا كرفض الظلم، أو الجهر بالحق، وهي قيم ربما تجاهلها المبشرون حين جرفتهم أمواج التلفزة، فاستتبعت – ولو بعد عقود – نقمة من الشباب وصلت إلى أغنية سافيدج غاردن سالفة الذكر، فما أشبه اليوم بالبارحة.
إن حالة كثير من دعاة اليوم ممن هم موضع حديثنا تعتبر – إلى حد بعيد – إرثًا ثقيلًا لما عانته مجتمعاتنا من رواج خرافات “التنمية البشرية” التي صارت دوراتها وتدريباتها مهنة من لا مهنة له، فبخلاف كونها دائرة مفرغة بحيث يتحول متعلمها في يوم ما إلى أحد مدربيها ليحصد ما زرعه من أموال أنفقها، فهي أيضًا قضت على قيمة الكفاءة العملية، ونحّت المضمون جانبًا لصالح الشكل.
بعبارة أخرى، صار الشاب حديث التخرج أو حتى من لا يزال قيد دراسته الجامعية يبحث عن كيفية كتابة سيرته الذاتية دون أن تشمل تلك السيرة شيئًا ذا قيمة أصلًا من الناحية العملية!
وصار من الأهم أن يجيد لغة الجسد على حساب أية مهارة تنفيذية تتطلبها وظيفته! والناتج كان من الناحية الاقتصادية توسع قطاعات الخدمات على حساب الإنتاج، أما من الناحية البشرية فصارت لدينا كوادر تجيد التنظير ولا تعرف التنفيذ، وتحسن الكلام وتسيء الفعل، فهي واجهة جذابة وخزانة خاوية، وتحت هذه الخانة تجد بعضًا من دعاة اليوم.

أسطورة الأسكنت

نُشرت بموقع "قل" في وقت سابق.

هل سمعت فرنسيا يتحدث بالإنجليزية ذات مرة؟ هل تابعت بريطانيًا أو أمريكيًا يحاول التحدث بأية لغة أخرى غير لغته الأم؟ إن كانت الإجابة نعم فأنت غالبا ستتفق مع ما تحمله السطور القادمة.
ليس هناك شك في أن إتقان الحديث بالإنجليزية كلغة أجنبية يتضمن طريقة نطق الحروف والكلمات، خصوصا وأن هذه اللغة تشمل تراكيب لا يخضع نطقها لقاعدة معروفة مثل تركيبة gh وبالتالي فإن الخطأ يكون واضحا لأنه لا يقارب الصواب، وهنا يبدو الحديث عن أهمية النطق مفهوما للغاية.
أما غير المفهوم فهو الولع بتقديم لكنة معينة –أي accent- واعتبارها هي والنطق شيئا واحدا، وهذا خطأ كبير ربما يكون في أغلب الحالات نتاجا للتسليم المطلق بأي شيء يصدر من الرجل الأبيض خصوصا في لكنته المحلية.
ولكن من يقع في هذا الخطأ يفوته دائما أن اللكنات الإنجليزية لا حصر لها، فدعك من اللكنات داخل بريطانيا ذاتها بل داخل إنجلترا بين لندن والشمال مثلا، فلديك لكنة أمريكية وأخرى أسترالية، وثالثة هندية، ورابعة في بعض البلاد الأفريقية التي تتحدث الإنجليزية وهي تختلف من غرب القارة إلى جنوبها مثلا، وهكذا.
أضف إلى كل تلك اللكنات المختلفة أخطاء في النطق نتيجة التطبع بلغات أخرى، فالفرنسي مثلا حين يحاول تحدث الإنجليزية فإنه لا يفلت من سيطرة فرنسيته.. فيكاد يعجز عن نطق تركيبة th  فتكون t فقط اغلب الوقت، والإسباني يقول في الأعم الأغلب “آي خاف” بدلا من I have لأن لغته لا تشمل صوت h.
يتم هذا دون مشكلات ويتفهم متحدثو الإنجليزية كلغة أم هذا القصور لدى الفرنسي أو الإسباني، ويتم إدراج هذا الخطأ تحت عبارة “إنجليزية بلكنة فرنسية” دون أن تكون هناك جريمة، بينما يأتي صاحب توكيل ماكميلان في مصر ليصلب على جذوع النخل من تأثر بلسانه العربي وخلط في النطق بين حرفي p وb مثلا، وحينها ينتشر على الفيسبوك تعليق ساخر ذي أبعاد طبقية حول أبناء المدارس الحكومية ممن لم يكن لهم اتصال ثقافي كبير بالبلاد الناطقة بالإنجليزية ما تسبب في تلك الأخطاء.
سدنة اللكنة الأمريكية أو البريطانية في مصر يمارسون نوعا من الإرهاب الفكري اسمه “الأكسنت”، وهو بدلا من أن يعين الآخرين على تحسين النطق فإنه يجعلهم في خوف دائم من الوقوع في الخطأ الذي –نعيد ونكرر- ليس خطئا بل يمكن اعتباره لكنة مصرية أو لكنة عربية للإنجليزية.
البعض يدفع به الخوف من هذا الحرج إلى مقاطعة الإنجليزية تحديدا بشكل تام ويبدأ في البحث عن لغة أخرى بعيدة عن ذوي الأنوف الطويلة، وحينها بالطبع يبتعد عن دراسة الفرنسية المليئة بفخاخ النطق الخاطئ وكذلك الأوصياء الذين يستعلون بإجادتهم لها وكأنهم نخبة وسط المجتمع.
لهذا السبب قد تجد كثيرا ممن يتعلمون الإسبانية والإيطالية وربما الألمانية قد نسوا جُل ما حصلوه في المدارس من الإنجليزية، وبدا تقبلهم للغة الأجنبية الجديدة ذا وتيرة أسرع بكثير، فهم من ناحية لديهم حافز التميز بلغة نادرة في بلادنا، ومن ناحية أخرى يشعرون بانطلاق كبير بعيدا عن تحذلق من يمكن تسميتهما مزاحا بالمستر سمير جونسون والليدي سميرة تومسون.
سدنة الإنجليزية المخلصون في بلادنا يتجاهلون دوما أن ليس كل من ينطق باللغة ينبغي أن يكون مترجما بالأمم المتحدة أو حتى متحدثا عاما، ويجهلون حقيقة أن اللغة وسيلة للاتصال وليست لاقتباس نمط اجتماعي كما هو سواء كان من بريطانيا أو الولايات المتحدة ليكون بعد ذلك وسيلة لاستعراض الوجاهة الاجتماعية الزائفة للمنهزمين فكريا.. ثم هم في النهاية يقطعون الطريق أمام المتعلمين، تماما كالواعظ الذي يفترض أن يدعو الناس إلى دين، فإذا هم منه ينفرون.

الاثنين، أكتوبر 31، 2016

أكملت ثلاثين عاما

بعد كثير من الصمت والإيمان بعدم وجود ما يبعث على الكتابة باستثناء بعض المقالات هنا وهناك –والتي قد أعيد نشرها هنا إن أسعفتني الذاكرة- فها أنا أعود إلى مدونتي بعد أكثر من عشر سنوات على تدشينها، وكم تبدلت الحال من وقتها إلى الآن!

منذ أكثر من شهر أكملت ثلاثين عاما.. ولست بِدعًا ممن شعروا مع هذا السن بأن العمر مضى سريعا وأن العقد الثالث انقضى دون فرصة لالتقاط الأنفاس، ولكن دون التباكي طويلا على ما ولّى من فرص، فيمكنني القول بأنني في المجمل راض والحمد لله على ما وفقني الله إليه.. قبل خمس سنوات ربما كنت في قاع الهوة ولم أتخيل أبدا أن أتكيف مع محنتي الصعبة بعون من الله وحده ثم دعم من زوجتي وعائلتي واستلهام لما تمثله لي بعض الرموز.

كنت قبل ذلك طموحا أتحدث عن أهداف أريد تحقيقها قبل الثلاثين، ربما أصبت بعضها وأخفقت في البعض الآخر، لم أكن قد امتُحنت بعد، ولكن كرم الله وفضله كانا كبيرين حقا، وامتدت المسيرة المهنية إلى محطات كنت أحلم بها دون أن أتخيل إمكانية تحقيقها، ومنّ الله عليّ بابنتي مليكة وابني عليّ الذي حفظه الله بلطفه.

الآن لا أدري إن كنتُ سأبدأ مرحلة جديدة أم لا زالت هناك حلقات في رحلتي الحالية التي هي جزء من الرحلة الكبرى، ولعل الأثر الأكبر الذي أحمله من محنتي المستمرة يتمثل في لا مبالاتي إجمالا، وأحيانا في استعجالي للنهاية فربما حينها أهدأ تماما، ومعها تنتهي هواجسي القانلة حول جدوى تلك المسيرة وقيمتها الحقيقية.

الخميس، يناير 16، 2014

أجيال وراء أجيال


شعور كبير بالمرارة ساد بيننا نحن من ننتمي عمريا لمرحلة الشباب حين لاحظنا أن الغالبية العظمى ممن رضوا بالتصويت على دستور الدم هم من الكبار في السن. شخصيا انسقت مع الموجة التي كالت لذلك الجيل الاتهامات بأنه جيل خانع قبل الظلم ورضي به سواء في الستينيات أو ما تلاها من فترات، ولكن وقفة بسيطة مع النفس تجعلني أرى الوضع بشيء من الاختلاف.
الأمر ليس بتلك السذاجة، لا يوجد جيل يولد خانعا بالكامل، فإذا كنا نقول إن من خرجوا للتصويت من ذوي الشعر الأبيض هم نتاج ثقافة ما بعد 1952 فعلينا أن نلقي باللائمة على الجيل الذي كان شابا وقت الانقلاب الأول ذاته.
ولعلنا سندهش حين ندرك حقيقة أن جيلا كان الكثيرون من شبابه أعضاء في جمعيات سرية أو تنظيمات إسلامية أو حتى أحزاب ليبرالية لم يستطع مقاومة الانقلاب وسياساته وقتها، هناك من خُدع فيها ولكنه سريعا ما وجد نفسه في السجن مع الاستفاقة.
أما الجيل الذي يليه فقد وجد كثيرون منه أيضا أنفسهم في السجون خلال دفعة الستينيات، وما أريد قوله هنا أن أمام من خرجوا اليوم للتأييد والتهليل وتصدر المشهد فإن هناك مثلهم قضوا في السجون وتعرضوا للتعذيب بجانب من هاجر وترك البلاد، أما من خرج من وراء القضبان فقد حاول فعل شيء في السبعينيات ولكنه لم يفلح.. إلا أنه في النهاية حاول.. وليس مطلوبا من أي منا غير المحاولة.
ومع السبعينيات والثمانينيات جاءت محاولات أخرى في الجامعات بل وفي الشوارع أحيانا كثيرة، ثم جاءت التسعينيات التي تصلح لأن تكون فترة ركود شبيهة بالستينيات، وعلا فيها صوت محاربة الإرهاب.. إلا أن ذلك لم يمنع من وجود ومضات من البحث عن الحرية والتغيير انتهت بمحاكمات عسكرية لأصحابها.
جيلنا نحن الذي نقول إنه جيل الثورة سيكون عرضة للسخرية بنفس النظرة القاصرة مستقبلا.. فإن كنا نحكم على جيل الستينيات مثلا بأنه خانع وذليل متجاهلين ما تعرض له كل من حاول منه تحقيق شيء أفضل، فنحن الجيل الذي ظن التقاء مصلحته مع العسكر في منع توريث الحكم لجمال مبارك قد حقق ثورة حقيقية فتفرغ لتفاخر محدثي النعمة! وهو جيل تخلى كثيرا عن الثورة لصراعات ضيقة وكيد متبادل بين الفصائل، بل وقبل الوقوف مع أعدائه أمام خصومه السياسيين الذين هم شركاء في الميدان، وتخلى عن الإنسانية كثيرا جدا بتبريرات مضحكة، وخذل الحراك ظنا أن بيده عصا ذهبية لا ينبغي أن يستخدمها مع من لا يستحق، ثم حين أدرك الكارثة ألقى باللائمة على من سبقه وأراح ضميره!
بل إن هذا الجيل الحالي احترف بشكل حقيقي البطولة المجانية، ولا أقصد هنا الشهداء والمصابين والمعتقلين فهؤلاء تيجان الرؤوس، بل أعني أولئك النشطاء وأشباههم من غير المعروفين الذين لم يعتقل منهم أحد ولم يكن لأي منهم تجرؤ سياسي قبل إسقاط حسني مبارك.. هؤلاء لم نسمع منهم سوى أصوات عالية وقت الرفاه وأتحفونا بصمت مطبق أوقات الشدائد، وإنكار مذهل لمجرد إمكانية الوقوع في خطأ ببعض الحسابات، وفي النهاية يتحدثون بتنظير فارغ عن الثورة وإلى أين ذهبت وكيف ضاعت ويتبادلون فيما بينهم الاتهمامات.
المشكلة أن حصاد الأجيال السابقة في الستينيات والسبعينيات ما كان ليختلف كثيرا عن سنتين ونصف السنة من الربيع السياسي -عشناها معا- لو كانت أيام الماضي قد عرفت ثورة الاتصالات الحالية، فالإنسان هو الإنسان وإن اختلفت الأسماء.. وما ندري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا. 

الثلاثاء، يناير 07، 2014

تعليق على بيان وائل غنيم



أخيرا ظهر وائل غنيم من خلال بيان على صفحته الرسمية يكسر به صومه الذي نذره للرحمن منذ انقلاب الثالث من يوليو الماضي، فالرجل حي وغير مختطف أو محتجز مثلما كان يشاع، بل والأهم بالنسبة لي أنه لم يتواطأ مع الأمن أو أية جهة أخرى كما كنت أشك مؤخرا.. فها هو قد نطق لتكذيب حملة التسجيلات الهاتفية التي سقط ضحيتها شأنه شأن مصطفى النجار وأحمد ماهر وكل من أيد ودعا وحشد إلى الثلاثين من يونيو رغم نداءاتنا المتكررة وقتها بأن الحراك تقوده وتوجهه وتدعمه قوى الثورة المضادة.
يقول وائل في بيانه إنه ما كان ليرد لولا إلحاح أسرته عليه، ويعلل صمته منذ الانقلاب إلى الآن برغبته في اعتزال الفتنة، ويختتم بالدعوة إلى عدم تصديق من يقول إن للجميع مصالح شخصية وليس هناك من يحب مصر فوق أي اعتبار.
والحقيقة أن وائل وقع في تناقض غريب.. فهو بجملته الختامية يريد أن يقول إن مصر لديه في الصدارة، رغم ذكره في البداية أن كسر صمته جاء بسبب ضغط الأسرة.. وبالتالي استجابته لحاجة محيطه العائلي أقوى من استجابته لما يحتاجه الوطن من تفاعل مع ما حدث ويحدث ولو حتى بتغريدة باهتة لشجب القمع والقتل.
أما بخصوص اعتزال الفتنة، فلا أدري كيف تشارك أنت بنفسك في تشكيل وضعية معينة ثم تنسحب فور انتهائك من وضع النار في مواجهة الزيت! كيف تسخر صفحة "كلنا خالد سعيد" كفرع للشئون المعنوية ما بين الثلاثين من يونيو والثالث من يوليو –لدرجة أن بيانات القيادة العامة كانت تنشر عليها دون تمهيد- وتريد الآن أن تقنع اي مغفل أنك فجأة أدركت أن الوضع فتنة يجب اعتزالها! لو كان ذلك حقيقيا لكان الاعتزال أولى بعد مجزرة الحرس الجمهوري مثلا في الثامن من يوليو وليس بعد الانقلاب مباشرة.. فطبقا لما ذكرته أنت بنفسك في آخر ما كتبت فور إعلان الانقلاب فلم يكن هناك وجود لأية فتنة، بل انتصار للثورة.
مشكلة وائل الكبرى أنني أتذكر دموعه على شهداء الفصل الأول من الثورة (25 يناير-11 فبراير 2011) فأجد شابا مخلصا لم يحتمل وفاة نحو 800 مصري وشعر بالمسئولية كونه كان من الداعين لما انتهى إليه الوضع، ثم أجده الآن في أول ظهور له يتجاهل تماما ما يقارب ألفي مصري نحسبهم من الشهداء في مشهد يبدو واضحا أنه ساهم أيضا بدعواته في الوصول إليه.
هذه ليست محاكمة لوائل فكلنا أخطأنا وهو نفسه يقول "أخطأت كثيرا وأصبت أحيانا"، لكن للأسف فإنه ليس على مستوى الحدث مطلقا.. ومسئوليته تجاه كثيرين ممن وثقوا فيه –وأنا منهم- تفرض عليه أن يشير إلى هذه الأخطاء حتى لا يفترض كل شخص ما يحلو له ويظل الأمر قيد استنتاجات تمليها الأهواء والميول.. لا أحب أن أقول لوائل إنه عاد بعد فوات الأوان فيبدو أنه لم يعُد أصلا.


الخميس، نوفمبر 21، 2013

قصة مونديال 1998



(إهداء لنا نحن مراهقي كرة القدم)




منذ الكشف عن تميمة البطولة في صورة الديك الأزرق "فوتيكس" الذي يمسك الكرة بين يديه والتحفيز جار على قدم وساق لمتابعة الحدث المرتقب.. دورة رباعية تنظمها فرنسا قبل المونديال بسنة واحدة.. يسجل خلالها روبرتو كارلوس هدفا لا ينسى في مرمى أصحاب الأرض من خلال تسديده لركلة حرة مباشرة بعيدة.. أظهرت الإعادة التلفزيونية كيف أن الكرة انحرفت بعنف إلى يسار الحارس الفرنسي فابيان بارتيز ثم فجأة عادت إلى اليمين قليلا وسكنت الشباك.. كل ذلك في لمح البصر! ترى كيف ستكون مباريات المونديال ذاته؟ 
مطرب بويرتو ريكو الأشهر ريكي مارتن يشعل حفل سحب قرعة النهائية بأغنية The Cup of Life ومعالم باريس السياحية تتجلى في الأفق.. أبعاد جديدة للتسويق مع تأهل اليابان للنهائيات للمرة الأولى.. وجه آخر جديد هو جامايكا.. بلاد ربما تكون اكتسبت شهرتها كلها عبر بوب مارلي وموسيقى الريجي.. الآن لديها فرصة جديدة للفت الأنظار.
هناك 32 فريقا دفعة واحدة، ولكن يستمر غياب أوروجواي المتوجة بأول لقب للمونديال.. وتعجز التشيك وصيفة يورو 1996 عن بلوغ النهائيات شأنها شأن البرتغال صاحبة العروض القوية في ذات البطولة، فضلا عن مصر بطلة أفريقيا، وكذلك السويد صاحبة المركز الثالث في المونديال السابق.
كما جرت العادة خاض حامل اللقب المباراة الافتتاحية، وتغلبت البرازيل على اسكتلندا (2-1) بفضل هدف عكسي سجله كريس بويد كان ينبئ بتكرار هذه الظاهرة خلال البطولة.. النيران الصديقة.. أو قل الأسلحة الفاسدة التي ترتد إلى الخلف.
في مساء نفس اليوم وضمن ذات المجموعة الأولى زأرت أسود أطلس على ملعب "لاموسون" في مونبلييه.. مصطفى حاجي  يتسلم الكرة على حدو منطقة الجزاء النرويجية.. يدخلها بثقة.. يتلاعب بالدفاع ويسدد قذيفة أرضية تسكن الشباك.
لا يمضي وقت طويل حتى تتعادل النرويج بهدف عكسي ليوسف شيبو، ثم تعود الأفضلية مغربية عبر عبد الجليل حدة "كماتشو" حين تلقى كرة طاهر الخلج الطولية واستقبلها بمهارة وسددها بقوة في سقف المرمى.
لم تدم الأفراح المغربية أكثر من دقيقة حتى استغل المدافع دان إيجن خطأ الحارس إدريس بن ذكري ليسجل هدف التعادل الذي انتهت به المباراة.. وحتى الآن لا يزال السؤال لماذا قرر الفرنسي هنري ميشيل مدرب المغرب الاعتماد على ابن ذكري بدلا من الأساسي عبد القادر البرازي؟
جاءت الجولة الثانية وحسمت البرازيل تأهلها بثلاثية في مرمى المغرب بينما تعادلت النرويج مع اسكتلندا، ثم جاء موعد الحسم في الجولة الأخيرة.. في سانت إتيان استعرض أسود الأطلسي مهارات جيل ذهبي كبير بثلاثية في مرمى اسكتلندا ولكن جاءتهم أنباء غير سارة ومفاجئة من مارسيليا.. خسرت البرازيل أمام النرويج بهدفين لواحد في آخر عشر دقائق بعدما كانت متقدمة بهدف بيبيتو! 
قيل بعد صعود النرويج بدلا من المغرب إن العرب غرقى في نظرية المؤامرة ولكن السيناريو بدا إلى حد كبير مشابها لما حدث للجزائر في مونديال 1982 حين صعدت النمسا وألمانيا على حساب محاربي الصحراء بنتيجة كان أي شيء غير وقوعها يعني تقدم الفريق العربي.
في المجموعة الثانية تصطدم إيطاليا وصيفة النسخة السابقة بطموح تشيلي العائدة للمونديال في بوردو والمدججة بهجوم ناري يقوده الثنائي إيفان زامورانو ومارسيلو سالاس.. فقد سجلا معا 21 هدفا خلال التصفيات.
تقدم الأتزوري مبكرا عبر هداف أتلتيكو مدريد كريستيان فييري، ثم قلب الفريق اللاتيني النتيجة بثنائية من توقيع مارسيلو سالاس الذي شق طريقه بعدها إلى الملاعب الإيطالية مع لاتسيو.
اضطر الطليان إلى الانتظار حتى الدقائق الخمس الأخيرة حين احتسبت ركلة جزاء لصالحهم تقدم لتسديدها روبرتو باجيو وفي أذهان الجميع مشهد إهداره لركلة ترجيح خلال نهائي مونديال 1994 أمام البرازيل.. ولكنه بثقة كبيرة أودع الكرة الشباك وأفلت ببلاده من شبح صدمة البداية.
في اللقاء الآخر أبطلت النمسا مفعول هدف كاميروني مبهر من توقيع بيير نجانكا واقتنصت التعادل في الدقيقة الأخيرة (1-1)، وكررت السيناريو بحذافيره في الجولة التالية ضد تشيلي، فيما روضت إيطاليا الأسود بثلاثية دون رد.
ضمنت إيطاليا الصدارة بالفوز في الجولة الأخيرة على النمسا (2-1) فيما تعادلت تشيلي للمرة الثالثة مع الكاميرون (1-1) مستغلة النقص العددي في صفوف الأفارقة بعد طرد المدافع ريجوبرت سونج للمونديال الثاني في مسيرته، ما سمح لسالاس وزامورانو بالتقدم إلى دور الستة عشر.
بصعوبة حققت فرنسا العلامة الكاملة في المجموعة الثالثة بالفوز على كل من جنوب أفريقيا والسعودية والدنمارك على الترتيب دون أن تقدم عروضا تجعلها ضمن زمرة المرشحين للقب.. فقد استفادت من هدف عكسي لبيير عيسى مدافع جنوب أفريقيا في اللقاء الأول، ووجدت نجمها زيدان يُطرد أمام السعودية رغم الفوز الكبير، فيما اعتمدت الدنمارك من جانبها على خبرة الأخوين بريان ومايكل لاودروب وتألق الحارس بيتر شمايكل.
أولى مفاجآت البطولة كانت في المجموعة الرابعة حين ودعت إسبانيا النهائيات رغم فوزها في الجولة الختامية على بلغاريا (6-1).. السبب خسارة في الجولة الأولى أمام نيجيريا (3-2) وعجز عن هز شباك حارس باراجواي العملاق خوسيه لويس شيلافيرت خلال التعادل السلبي في الجولة الثانية.
تألق الفتيان الجديدان راؤول جونزاليز وفرناندو مورينتس لم تشفع للمدرب خابيير كليمنتي أن يذهب بالإسبان بعيدا، فكانت بطاقتا دور الستة عشر من نصيب كل من نيجيريا وباراجواي.
الجارتان هولندا وبلجيكا وقعتا في المجموعة الخامسة مع كوريا الجنوبية والمكسيك.. تلك الأخيرة ضربت المثل في العودة من الخلف دائما.. تتأخر مرتين بهدفين وفي كل مرة تدرك التعادل (2-2) سواء مع بلجيكا أو هولندا التي رافقتها إلى الدور التالي.
احتفظت المكسيك بثنائي هجومي متألق شكله لويس هرنانديز وكواوتموك بلانكو، وسجل ذلك الأخير هدفا صعبا في مرمى بلجيكا حين طار في الهواء لمقابلة عرضية رامون راميريز في المرمى.. حيث وضع الكرة بقدمه اليسرى في الزاوية الضيقة رغم أن الطبيعي كان مقابلتها بيمناه.
السياسة تطل برأسها في المجموعة السادسة.. ليست ألمانيا بطلة أوروبا من يلفت الأنظار.. ولا حتى ابنة قارتها يوغوسلافيا.. بل إيران والولايات المتحدة.. لقاء لا يمكن نزعه عن التصريحات النارية بين ساسة البلدين وتاريخ صعب يعيد إلى الأذهان أزمة رهائن السفارة الأمريكية بطهران.. هتاف "الموت لأمريكا" الذي يرج ساحات صلوات الجمعة يتعرض لاختبار لم يكن في الحسبان.. ها هي أمريكا.. وإن كانت في كرة القدم لا في ميدان الحرب.
إيران تحديدا عانت الأمرين حتى تبلغ المونديال للمرة الثانية، فأخفقت في التأهل مباشرة ثم خسرت الملحق الأول أمام اليابان وأخيرا اجتازت الملحق النهائي بهدف تعادل تاريخي مع أستراليا (2-2) من توقيع خداداد عزيزي.
عزيزي هذا شكّل عنصرا بارزا في الفريق الفارسي بجوار الهداف علي دائي ولاعب الوسط المنطلق دوما للأمام كريم باقري.. ولكن هذا الثلاثي لم يظهر خلال الخسارة الأولى أمام يوغوسلافيا بهدف.. كان يبدو أن البطولة التي جاء الإيرانيون لأجلها هي التغلب على الولايات المتحدة، التي خسرت هي الأخرى أمام ألمانيا.
دخل الفريقان أرضية ملعب جيرلان في ليون، وكبادرة لحسن النوايا والتأكيد على رسائل السلام وضع الإيرانيون أطواقا من الزهور على أعناق نظرائهم الأمريكيين.. واصطف لاعبو الفريقين معا في صورة تذكارية.. ولكن ذلك كله تلاشى بمجرد بدء اللعب.
أربعون دقيقة عصيبة مرت حتى حول حميد إستيلي برأسه عرضية من اليمين إلى الشباك الأمريكية لتدخل بلاده الاستراحة متقدمة وتفكر في الاحتفاظ بـ"النصر" خلال الشوط الثاني.. حينها بدت واضحة تعليمات المدرب جلال طالبي.. تنظيم الدفاع والاعتماد على الهجوم المرتد الخاطف.. وبتلك الطريقة وكثير من التوفيق عززت إيران تقدمها عبر الجناح الأيمن الصاعد مهدي مهداوي كيا الذي انطلق تلك المرة من اليسار.. ضَمَن هدفه الفوز لبلاده بنسبة كبيرة.. فلم يكن هدف بريان ماكبرايد سوى نوع من حفظ ماء الوجه للفريق الأمريكي.
الفوز كان كافيا كي يقننع الإيرانيون بتحقيقهم إنجازا كبيرا يعوض عن الإخفاق في بلوغ دور الستة عشر الذي تأهل إليه الألمان واليوغوسلاف، فالمهمة المحددة قد نُفّذَت.. والباقي لا يهم.
ممثل العرب الثالث المنتخب التونسي غادر المجموعة السابعة بنقطة وحيدة مثلما فعلت السعودية، فنسور قرطاج تعادلت مع رومانيا بعد أن ضمنت الأخيرة التأهل، فيما كان مقعد الوصافة من نصيب إنجلترا بعد تغلبها على كولومبيا بهدفين، أحدهما من ركلة حرة لفتى واعد اسمه ديفيد بيكهام، لتكون النهاية حزينة لآخر ظهور مونديالي لجيل كارلوس فالديراما وفريدي رينكون.
في المجموعة الثامنة اضطر المشجعون المصريون لبعض الوقت حتى يدركوا –في عصر ما قبل انتشار الإنترنت والفضائيات- أن نجم وسط الأرجنتين خوان فيرون هو ذاته الذي كان يذكره المعلق محمود بكر باسمه الأوسط "سباستيان" فقط خلال أوليمبياد أتلانتا 1996.. كان عليهم إدراك ذلك مبكرا فصاحب تلك الصلعة الذي يخرج تلك التمريرات لا يتكرر كثيرا.
فاز راقصو التانجو بمبارياتهم الثلاث على اليابان وجامايكا وكرواتيا التي صعدت هي الأخرى إلى الدور التالي، مستفيدة من نضج أغلب العناصر التي شاركت في يورو 1996.
جاء دور الستة عشر بنظام خروج المغلوب.. لا فرصة للتعويض.. إيطاليا بخبرتها تفوز على النرويج بهدف فييري الخامس في البطولة، والبرازيل تتلاعب بتشيلي وتهزمها (4-1) في تألق كبير لرونالدو الذي لم يخطف بمفرده الأضواء، بل شاركته من المدرجات خطيبته سوزانا فيرنر.
رهان كبير على قدرة نيجيريا على العصف بتقليدية الدنمارك.. ولكن لوحة النتيجة تشير إلى خسارة النسور (4-1).. فرنسا تحتاج إلى هدف ذهبي عبر المدافع لوران بلان كي تتخلص من لعنة شيلافيرت حارس باراجواي.. خبرة الألمان تساعدهم على قلب التأخر أمام المكسيك إلى فوز (2-1) وتسديدة إدجار ديفيدز في الدقيقة الأخيرة تقود هولندا إلى الفوز على يوغوسلافيا بالنتيجة ذاتها.. وكرواتيا تعبر رومانيا بركلة جزاء ينفذها الهداف دافور سوكر.. اسمه ينطق "شوكير".. لكن تصحيحه بعد تلك السنوات يبدو تحذلقا لا معنى له.
مباراة أخيرة تتبقى في ثمن النهائي.. ملعب جوفروا جيشار في سانت إتيان.. الأرجنتين تواجه إنجلترا.. بعد 12 عاما من مباراة مارادونا الشهيرة التي سجل فيها مرتين: إحداهما بعبقريته.. والأخرى بيده.
تتقدم الأرجنتين عبر هدافها جابرييل باتيستوتا من ركلة جزاء.. يتعادل ألان شيرار.. في الدقيقة العاشرة.. وبعدها بخمس دقائق يرسل بيكهام كرة طولية يستقبلها ببراعة مايكل أوين.. يراوغ مدافعا أرجنتينيًا.. التالي.. يخرج الحارس كارلوس روا.. يسدد فتى ليفربول الصغير في المقص الأيمن للمرمى.. إنه يرد على هدف مارادونا.
أفضلية الإنجليز لا تدوم.. خابيير زانيتي يدرك التعادل.. بيكهام يتعرض للطرد الذي يراه ظالما.. التعادل يستمر... ركلات الترجيح.. ديفيد باتي يهدر الركلة الحاسمة لإنجلترا.. الأرجنتين تفوز مرة أخرى.
في ربع النهائي، عادت فرنسا إلى الملعب الكبير في سان دوني لمواجهة إيطاليا التي تطلعت لتكرار ما فعلته قبل 60 عاما حين أحرزت لقبها المونديالي الثاني على الأراضي الفرنسية، ولكن الاصطدام بأصحاب الأرض هذه المرة لم يسفر عن أي شيء لمدة 120 دقيقة في ظل استبسال حارس الأتزوري جانلوكا باليوكا.. ما دفع الفريقين إلى اللجوء لركلات الترجيح.
زيدان يسجل أول ركلة.. من يتقدم لإيطاليا؟! روبرتو باجيو! بعزم على تحطيم مخاوفه يتعادل لإيطاليا.. ويستمر التعادل حتى يسدد لويجي دي بياجيو كرة الأتزوري الأخيرة في العارضة ويبلغ أصحاب الأرض المربع الذهبي.
في نانت تعافت البرازيل سريعا من صدمة تأخرها بهدف أمام الدنمارك لتتقدم بهدفين وتدخل الاستراحة بأفضلية على لوحة النتيجة.. ولكن ماذا يفعل روبرتو كارلوس بعد خمس دقائق من استئناف اللعب؟ إنه يحاول تشتيت عرضية دنماركية بضربة خلفية بقدمه اليمنى التي لا يجيد استخدامها.. يخطئ الكرة فتصل إلى بريان لاودروب ليتعادل للفريق الاسكندنافي محتفلا بطريقة تشبه من يلتقط صورة تذكارية على شاطئ البحر.
لا يمضي أكثر من عشر دقائق حتى تستعيد البرازيل الأفضلية عبر ريفالدو وتحافظ عليها حتى دوي صافرة الحكم المصري جمال الغندور.. حامل اللقب مستمر في الدفاع عن عرشه.
مواجهة كلاسيكية في مارسيليا جمعت بين هولندا والأرجنتين بذكريات نهائي نسخة 1978 حين فاز راقصو التانجو بلقبهم الأول بين أنصارهم وفي الوقت الإضافي، فهل يثأر فريق الطواحين؟ لم تتأخر الإجابة حين مرر دينيس بيركامب برأسه كرة ذهبية إلى باتريك كلويفرت ليتقدم لهولندا بعد 12 دقيقة فقط.. ولكن الرد لا يتأخر.. كلاوديو لوبيز يكسر مصيدة التسلل ويتعادل للأرجنتين بعدها بست دقائق.
الخشونة عنوان الشوط الثاني.. طرد لآرثر نومان.. وأرييل أورتيجا يشبع الدفاع الهولندي مراوغة ولكن يفقد أعصابه لعدم حصوله على ركلة جزاء من ياب ستام فينطح الحارس إدوين فان دير سار ويتعرض لبطاقة حمراء.
العقاب أتى فوريا قبل النهاية بدقيقة واحدة.. كرة طولية يستقبلها دينيس بيركامب ببراعة داخل منطقة الجزاء، يراوغ روبرتو أيالا، ويسدد في أعلى الزاوية اليمنى لمرمى كارلوس روا.. هولندا تخطف الفوز وتتأهل للقاء البرازيل على ذات الملعب.
بقي الضلع الأخير من المربع الذهبي حائرا بين كرواتيا وألمانيا حين التقيا في ليون.. ظن الجميع أن خبرة الألمان ستسعفهم في الشوط الثاني لتدارك التأخر بهدف روبرت يارني.. ولكن الماكينات بدت في في حالة عطل تام خلال الشوط الثاني فاستقبلت هدفين آخرين عبر جوران فلاوفيتش وسوكر.. كرواتيا مفاجأة البطولة بلا منازع بعد ثأرها من هزيمتها أمام ألمانيا في ربع نهائي يورو 1996.
صافرة الإماراتي علي بوجسيم تعلن بدء نصف النهائي في مارسيليا.. البرازيل تتقدم على هولندا بهدف رونالدو، ولكن كلويفرت يدرك التعادل برأسه قبل النهاية بثلاث دقائق ليتوجه الفريقان نحو الوقت الإضافي ثم ركلات الترجيح، وحينها استعاد الحارس البرازيلي كلاوديو تافاريل كل بريقه وتصدى لركلتين من فيليب كوكو ورونالد دي بور ليقود بلاده إلى النهائي للمرة الثانية على التوالي.
في اليوم التالي وجدت فرنسا نفسها متأخرة أمام كرواتيا بالهدف الخامس لسوكر في البطولة.. ولكن الرد جاء سريعا بالهدف الدولي الأول للظهير الأيمن ليليان تورام.. ماذا جاء به إلى وضعية متقدمة كي يتلقى تمريرة يوري دجوركاييف؟ ربما هو نفسه لا يعرف.
ليلة تورام لم تنته.. في لحظة ما وجد نفسه على الجبهة اليمنى.. وجهه للداخل.. سدد بيسراه عكس العادة.. ذهبت الكرة إلى الشباك الكرواتية..!
انتهت المباراة وفازت فرنسا ولكن المدافع لوران بلان تعرض للطرد قبل النهاية بربع ساعة.. استاء الفرنسيون كثيرا لغيابه عن النهائي.. ليس لبراعته الفنية فحسب، بل لاعتياده أداء تميمة الفوز قبل كل مباراة: تقبيل صلعة الحارس فابيان بارتيز.
في مباراة المركز الثالث حصدت كرواتيا البرونزية بالفوز على هولندا بهدفين لواحد، وسجل سوكر هدفه السادس ليتصدر ترتيب الهدافين ويبتعد عن باتيستوتا وفييري ويختتم صيفا رائعا توج فيه مع ريال مدريد بدوري الأبطال الأوروبي.
جاء يوم المباراة النهائية.. أصحاب الأرض يواجهون حامل اللقب.. ولكن قائمة البرازيل تخلو من اسم رونالدو أفضل لاعب في البطولة!! تم الكشف لاحقا عن تعرض نجم إنتر ميلانو وقتها لإصابة بتشنج ليلة المباراة وفقا لشهادة زميله في الغرفة روبرتو كارلوس.. المدرب ماريو زاجالو جمع لاعبيه في الفندق وأخبرهم بأن الفوز لا يتوقف على رونالدو وحده.. فحين كان لاعبا فازت البرازيل بمونديال 1962 في غياب بيليه.. ووقع الاختيار على إدموندو لقيادة الهجوم بدلا من النجم المصاب.
ومع خروج اللاعبين من غرف الملابس صوب أرضية الملعب فوجئت الجماهير برونالدو وسط زملائه.. أخبر زاجالو بقدرته على اللعب وقرر المدرب الدفع به.. ربما خوفا من تعرضه للنقد لو حدثت خسارة في غياب النجم الأول للفريق.. وربما كما قال البعض كخضوع لضغوط كبيرة تتعلق بالتسويق والإعلان مارستها شركة "نايكي" راعية المنتخب البرازيلي.
على الجهة الأخرى حل المدافع فرانك لوبوف محل لوران بلان ولكنه لم يتعرض لاختبارات حقيقية خلال المباراة.. فمن ركلتين ركنيتين في الشوط الأول ارتقى زيدان فوق الجميع وسجل برأسه في شباك البرازيل مانحا بلاده أفضلية مريحة في الاستراحة.
غاب رونالدو وغاب معه كل السحر البرازيلي.. فراقصو السامبا عجزوا عن استغلال النقص العددي بعد طرد مارسيل ديساييه، وفي اللحظات الأخيرة أطلق إيمانويل بوتي رصاصة الرحمة بتسجيله الهدف الثالث لفرنسا.. هدف ابتهج معه الرئيس جاك شيراك في المقصورة الشرفية.. وتبعته مباشرة صافرة الحكم المغربي سعيد بلقولة.. الديوك أبطال العالم! الأضواء تعكس اسم زيدان على قوس النصر في باريس.. فرنسا تدخل زمرة الكبار بتتويجها الأول في المونديال.. جول ريميه صاحب فكرة كأس العالم لم يعش ليرى بلاده تحرز اللقب.

لقطات:
هدف حاجي في النرويج
هدف نجانكا في مرمى النمسا


هدف المكسيكي بلانكو في مرمى بلجيكا


ملخص مباراة إيران والولايات المتحدة


هدف أوين في مرمى الأرجنتين


احتفالية بريان لاودروب بهدفه في مرمى البرازيل


هدف بيركامب في مرمى الأرجنتين


هدف تورام الثاني في مرمى كرواتيا

الأحد، سبتمبر 29، 2013

رأيي في الناصرية


أنت لست ملزما بقراءة ما أكتب إن كان لا يهمك رأيي أو لا يهمك التعرف على الآراء في المطلق، وبالتالي إن كنت قد كوّنت قناعة كاملة عن فكرة "الناصرية" لن تهتز أبدا يمينيا أو يسارا فلا معنى لإضاعة وقتك في مطالعة السطور التالية، أما إن كنت تقبل أن تستمع إلى رأي قد لا يوافق قناعتك كثيرا فأهلا وسهلا.
كثر الحديث هذه الأيام بمناسبة ذكرى وفاة الرئيس جمال عبد الناصر عن تجربته في حكم مصر ولاحظت أن الأصدقاء انقسموا في أغلبهم بين ممجد للرجل ولاعن له، وساءني كثيرا التطرف والشطط في كلا الخطابين، وهذا لا يعني أنني أقف في المنتصف أو أحاول ذلك.. فقناعتي الشخصية أن هناك أمورا لا تجوز وكذلك هناك مسائل لا تحتمل الحياد، واختصارا للمسافة فأنا أقول إنني من رافضي التجربة الناصرية، ولا أرى التغني بها إلا نوعا من الاستغاثة من رمضاء الحاضر بنار الماضي، ولكن كيف بنيت رأيي وكوّنت هذه القناعة؟ هذا ما أحاول تبيانه.
أولا أنا ضد اختصار الأمر كله في شخص عبد الناصر والحديث عن زوجته ومذهبها الديني أو عن مآل حال أبنائه، أو أن أحلل شخصيته نفسيا وموقفه من طبقة الأغنياء عموما لا الإقطاعيين فحسب، فكل ما يهمني هو التجربة بشكل عام.
لعل الإيجابية الأولى للحقبة الناصرية هي وضوح الرؤية لدى القائمين على السلطة، فهناك مشروع في إطار انتماء قومي عروبي وبأيديولوجية اشتراكية، وهناك أدوات مباشرة لتنفيذ هذا المشروع بعيدا عن فوضى المداولات وتلكؤ السعي نحو الوفاق المستحيل، وبالتالي عرفنا بسرعة فكرة الصناعات العملاقة والمشروعات الطموحة كالسد العالي وإنتاج السيارات وغيرها، كما خطونا قدما في اتجاه محو الأمية.
وخارجيا صار لمصر وضع خاص كدولة رائدة بحق لها نفوذ كبير في محيطيها العربي والأفريقي وحتى خارجهما من خلال مجموعة دول عدم الانحياز، صحيح أن المحيط العربي انقسم بين رجعي وتقدمي ولكن هذه هي طبيعة الأشياء.. وهو إلى الآن لا يزال منقسما وسيظل طالما كانت الدول تتبنى أفكارا مغايرة وتختلف نظرتها إلى الكثير من القيم.. فكل المطلوب من فكرة الوحدة العربية هي وحدة القرار ربما بحيث يكون هناك حد أدنى من المواقف الجمعية تجاه قضايا رئيسية، وأعتقد أن الفترة الناصرية شهدت ذلك الإجماع، على الأقل فيما يخص القضية المركزية: فلسطين، وهو موقف من غير الوارد الآن مجرد التفكير فيه.
في المقابل، دشن عصر عبد الناصر الدولة البوليسية الحقيقية التي تفوق ما كان عليه الوضع أيام الملكية بكثير، فالمعتقلات اتسعت للجميع، وأحسب أن من نحسبهم شهداء من طراز عبد القادر عودة وسيد قطب وشهدي عطية وغيرهم من غير المشاهير سيبقون عالقين في ضمير كل من يحاول تبرير جرائم تلك الحقبة، شأنهم شأن الرئيس محمد نجيب، ولا أستطيع أن أتخيل شخصا يدافع عن ممارسات شمس بدران أو صلاح نصر أو حتى عبد الحكيم عامر.
من القمع الداخلي وكبت حريات الصحافة والرأي وتعقب فلول الأحزاب بمن فيها الأحزاب الوطنية كالوفد، جاءت عملية قسم المجتمع بشكل طبقي من خلال خلق حالة من العداء بين الأغنياء وغير الأغنياء عموما.. ولا أقول الفقراء فقط لأن الأمر لا يمكن اختزاله في ثنائية تتجاوز الطبقة الوسطى.
قوانين الإصلاح الزراعي كانت أول مسمار في نعش القطن المصري، وخفض إيجارات العقارات ونقل ملكية المساكن فعليا إلى المستأجرين كان قرارا يحمل ظلما كبيرا لقطاع ما ربما لم يعاد الثورة ولم يكن داعما لقوى الإمبريالية، وجعلت الأمر يبدو وكأنه لا بديل لنصرة غير الأغنياء إلا عن طريق تحويل الأغنياء إلى فقراء.
الوضع العسكري حدث ولا حرج، تحرك غريب في اليمن والكونغو، وهزيمة نكراء شنعاء في 1967 أسقطت النقاب عن كل الفساد في المؤسسات الحاكمة وحتى ما يتبعها بشكل كوميدي غير مفهوم مثل التنظيم الطليعي السري.
هنا تصدق الصورة المتداولة أن عبد الناصر تولى المسئولية ومصر والسودان دولة واحدة كبيرة، ثم تركها في صورة الوادي والدلتا وصحراء شرقا وغربا دون وجود لسيناء.
ولا يهمني هنا إن كان الملايين خرجوا في جنازته أو ترجوه ألا يتنحى عن الحكم، فمشاعر الجماهير يسهل التلاعب بها وتنويمها وهي في الأعم الأغلب لا تعرف أين مصلحتها الحقيقية، وكلما تجمعت ووُجهت كلما انخفض مستوى ذكائها.
إجمالا هذا هو الطرح الناصري: مشروعات قومية طموحة تقوم على الاشتراكية يتبعها فساد في الأجهزة الحكومية وقمع للحريات وانقسام للمجتمع وربما هزائم عسكرية.. وبالتالي بحساب المكسب والخسارة أرفض هذا الطرح تماما.
وأكد رفضي ما أراه حاليا من سلوك من يصفون أنفسهم بالناصريين، وعموما لا أجد شيئا بائسا كنسبة فكرة أو فلسفة ما إلى شخص بعينه والحديث عنها كأن أخطاءها مجرد هفوات يمكن تفاديها مستقبلا، هذا إذا اعترف أحد حملتها بوجود هذه الأخطاء، فلا أعرف ماركسيًا يقول إن ماركس أخطأ في كذا، ولم أسمع بأحد الماويين ينتقد الثورة الثقافية مثلا، والناصريون ليسوا بدعا من ذلك.
فالناصريون لا يكتفون بميراث السلبيات الثقيل الذي خلفته حقبتهم الذهبية، بل أضافوا إليه الكثير من القيح تراه الآن في مواقفهم من الانقلاب الأخير وما صاحبه من مجازر، فبجانب حمدين صباحي الذي كان آخر أمل لي في الناصرية وصوتت له في الانتخابات الرئاسية، سقط النقاب عن آخرين صدمونا بآرائهم مثل الروائي بهاء طاهر، والصحفي حمدي قنديل، وغيرهما كثيرون من الأصدقاء غير المشاهير الذين لاذوا بالصمت إزاء ما يحدث، أو انتقدوا ممارسات سابقة لا تمثل عشر ما حدث أيام الناصرية التي يمجدونها.
وبالتالي في ذكرى وفاة عبد الناصر لا أملك سوى تجديد رفضي لذلك المشروع –رغم إيجابياته- وأن أترحم على من ذاق العذاب في المعتقلات باسم حماية الثورة وأن أدعو الله أن يقتص له، أما غير ذلك من شخص الرئيس السابق فلا يعنيني.


ملاحظة أخيرة: كاتب السطور قرأ كتاب "لمصر لا لعبد الناصر" لمحمد حسنين هيكل، ولا داعي لنصيحته بقراءته مجددا.

الجمعة، سبتمبر 13، 2013

مع السوريين في مدينتي

أتاح قدر سكني بمدينة السادس من أكتوبر الفرصة كي أتعامل بشكل شبه يومي مع عينات مختلفة من الإخوة السوريين المقيمين في مصر، وهم هنا في المدينة يظهرون بكثافة تفوق تلك التي كان عليها الإخوة العراقيون قبل نحو عشر سنوات، وبالتالي فإن الشرائح الممثلة متنوعة للغاية ولكنها رغم ذلك تشترك في سمات عامة.
أبرز ما يميز السوريين هنا هو اعتزازهم الكبير بانتمائهم الوطني، فأسماء جميع المحلات تعبر عن ذلك "ميدان الشام، البدر الدمشقي، سوريانا، المركز السوري لصيانة الدش.."، فضلا عن حرص بعض الشباب على حظاظة علم الاستقلال السوري وغيرها من الإشارات التي تجعلك تدرك بسهولة أنك أمام شخص من بلاد الشام.
وقد يخيل للبعض أن هذا الحرص على إبراز الهوية الوطنية يعكس نظرة قومية قُطرية ضيقة كتلك التي نعاني منها في مصر حاليا، ولكن الواقع عكس ذلك تماما، فأول ما تلاحظه عند تعاملك مع السوري بالبيع أو الشراء أو حتى الحوار الجانبي مع الجار أو الراكب المجاور أنه إنسان ودود بدرجة كبيرة يحب الكلام ويتحاشى دوما أن يبدي رأيا له حول أي شيء يخص مصر سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا حتى، فهو لا يعقد مقارنات أبدا بين المرور في سوريا والمرور في مصر مثلا، هو فقط يتحدث ويستفيض حين تسأله عن سوريا.
وهذه الصفة ميزت السوريين في مصر حتى قبل الانقلاب الأخير، أي قبل أن يتحولوا إلى هدف لحملات تحريض إعلامية خسيسة، وبالتالي لا يمكن الزعم بأن هذا السلوك المتواتر يرجع إلى جبن أو رغبة في تفادي المشاكل فحسب.
السوريون تخصصوا بشكل كبير في قطاع المطاعم، فالشاورما والمثلجات والتسالي والحلوى والألبان وأحيانا البقالة هي أبرز المجالات التي تلاحظ انتشارهم فيها، وهناك تجد فارقا عميقا بينهم وبيننا نحن المصريين.
في المطعم السوري النظافة هي السمة الأبرز، فلا يقوم زبون من مائدته إلا وتكون قد نظفت في دقيقة لاستقبال الزبون التالي، وحتى إن كانت الطاولات في الشارع فإن الهواء قد لا يلقي بورقة على الأسفلت إلا وتجد من يلتقطها من عمال المطعم في حينها.
يضاف إلى النظافة جودة الطعام نفسه ووفرة كميته وانخفاض سعره مقارنة بالوضع مع المطاعم المصرية، ناهيك عن المعاملة الرائعة التي تبدأ بطبق التحية المستنثى من الحساب شأنه في ذلك شأن السلاطات والخدمة، وصولا إلى الدعاء اللطيف بعد دفع الحساب "يعوّض عليك".
نفس آداب المعاملة تتكرر في أي مجال آخر غير المطاعم، فتشعر وكأن كل السوريين في هذه المدينة عائلة واحدة كبيرة جدا تشترك في نمط معين من التربية يجعلك لا تنزعج أبدا من جيرتهم، بل قد تفضلها على جيرة كثير من المصريين من محترفي إثارة المشاكل وافتعال المتاعب والقول الفظ.
وأمام هذا الاحتكاك المستمر بيني وبين الإخوة السوريين، أتساءل: هل هم يتقنون عملهم بشكل زائد عن الحد أم أن كثيرا منا نحن المصريين للأسف لا يحسن عمله؟ هل هم فقط مهوسون بالنظافة أم أننا لا نكترث بها ونعتبرها معيارا ثانويا؟ هل هم فقط رغم الآلام الكبيرة التي أصابتهم يجيدون التبسم في الوجه والكلمة الطيبة أم أننا نحن من يتفنن في النكد والعبوس والتعبيرات العنصرية؟

شخصيا سعيد بجوار السوريين، ولكن ما أحزنني هو هذا الفارق الكبير في تعاملاتنا وتعاملاتهم الذي أكتشفه يوما بعد آخر.