الخميس، نوفمبر 21، 2013

قصة مونديال 1998



(إهداء لنا نحن مراهقي كرة القدم)




منذ الكشف عن تميمة البطولة في صورة الديك الأزرق "فوتيكس" الذي يمسك الكرة بين يديه والتحفيز جار على قدم وساق لمتابعة الحدث المرتقب.. دورة رباعية تنظمها فرنسا قبل المونديال بسنة واحدة.. يسجل خلالها روبرتو كارلوس هدفا لا ينسى في مرمى أصحاب الأرض من خلال تسديده لركلة حرة مباشرة بعيدة.. أظهرت الإعادة التلفزيونية كيف أن الكرة انحرفت بعنف إلى يسار الحارس الفرنسي فابيان بارتيز ثم فجأة عادت إلى اليمين قليلا وسكنت الشباك.. كل ذلك في لمح البصر! ترى كيف ستكون مباريات المونديال ذاته؟ 
مطرب بويرتو ريكو الأشهر ريكي مارتن يشعل حفل سحب قرعة النهائية بأغنية The Cup of Life ومعالم باريس السياحية تتجلى في الأفق.. أبعاد جديدة للتسويق مع تأهل اليابان للنهائيات للمرة الأولى.. وجه آخر جديد هو جامايكا.. بلاد ربما تكون اكتسبت شهرتها كلها عبر بوب مارلي وموسيقى الريجي.. الآن لديها فرصة جديدة للفت الأنظار.
هناك 32 فريقا دفعة واحدة، ولكن يستمر غياب أوروجواي المتوجة بأول لقب للمونديال.. وتعجز التشيك وصيفة يورو 1996 عن بلوغ النهائيات شأنها شأن البرتغال صاحبة العروض القوية في ذات البطولة، فضلا عن مصر بطلة أفريقيا، وكذلك السويد صاحبة المركز الثالث في المونديال السابق.
كما جرت العادة خاض حامل اللقب المباراة الافتتاحية، وتغلبت البرازيل على اسكتلندا (2-1) بفضل هدف عكسي سجله كريس بويد كان ينبئ بتكرار هذه الظاهرة خلال البطولة.. النيران الصديقة.. أو قل الأسلحة الفاسدة التي ترتد إلى الخلف.
في مساء نفس اليوم وضمن ذات المجموعة الأولى زأرت أسود أطلس على ملعب "لاموسون" في مونبلييه.. مصطفى حاجي  يتسلم الكرة على حدو منطقة الجزاء النرويجية.. يدخلها بثقة.. يتلاعب بالدفاع ويسدد قذيفة أرضية تسكن الشباك.
لا يمضي وقت طويل حتى تتعادل النرويج بهدف عكسي ليوسف شيبو، ثم تعود الأفضلية مغربية عبر عبد الجليل حدة "كماتشو" حين تلقى كرة طاهر الخلج الطولية واستقبلها بمهارة وسددها بقوة في سقف المرمى.
لم تدم الأفراح المغربية أكثر من دقيقة حتى استغل المدافع دان إيجن خطأ الحارس إدريس بن ذكري ليسجل هدف التعادل الذي انتهت به المباراة.. وحتى الآن لا يزال السؤال لماذا قرر الفرنسي هنري ميشيل مدرب المغرب الاعتماد على ابن ذكري بدلا من الأساسي عبد القادر البرازي؟
جاءت الجولة الثانية وحسمت البرازيل تأهلها بثلاثية في مرمى المغرب بينما تعادلت النرويج مع اسكتلندا، ثم جاء موعد الحسم في الجولة الأخيرة.. في سانت إتيان استعرض أسود الأطلسي مهارات جيل ذهبي كبير بثلاثية في مرمى اسكتلندا ولكن جاءتهم أنباء غير سارة ومفاجئة من مارسيليا.. خسرت البرازيل أمام النرويج بهدفين لواحد في آخر عشر دقائق بعدما كانت متقدمة بهدف بيبيتو! 
قيل بعد صعود النرويج بدلا من المغرب إن العرب غرقى في نظرية المؤامرة ولكن السيناريو بدا إلى حد كبير مشابها لما حدث للجزائر في مونديال 1982 حين صعدت النمسا وألمانيا على حساب محاربي الصحراء بنتيجة كان أي شيء غير وقوعها يعني تقدم الفريق العربي.
في المجموعة الثانية تصطدم إيطاليا وصيفة النسخة السابقة بطموح تشيلي العائدة للمونديال في بوردو والمدججة بهجوم ناري يقوده الثنائي إيفان زامورانو ومارسيلو سالاس.. فقد سجلا معا 21 هدفا خلال التصفيات.
تقدم الأتزوري مبكرا عبر هداف أتلتيكو مدريد كريستيان فييري، ثم قلب الفريق اللاتيني النتيجة بثنائية من توقيع مارسيلو سالاس الذي شق طريقه بعدها إلى الملاعب الإيطالية مع لاتسيو.
اضطر الطليان إلى الانتظار حتى الدقائق الخمس الأخيرة حين احتسبت ركلة جزاء لصالحهم تقدم لتسديدها روبرتو باجيو وفي أذهان الجميع مشهد إهداره لركلة ترجيح خلال نهائي مونديال 1994 أمام البرازيل.. ولكنه بثقة كبيرة أودع الكرة الشباك وأفلت ببلاده من شبح صدمة البداية.
في اللقاء الآخر أبطلت النمسا مفعول هدف كاميروني مبهر من توقيع بيير نجانكا واقتنصت التعادل في الدقيقة الأخيرة (1-1)، وكررت السيناريو بحذافيره في الجولة التالية ضد تشيلي، فيما روضت إيطاليا الأسود بثلاثية دون رد.
ضمنت إيطاليا الصدارة بالفوز في الجولة الأخيرة على النمسا (2-1) فيما تعادلت تشيلي للمرة الثالثة مع الكاميرون (1-1) مستغلة النقص العددي في صفوف الأفارقة بعد طرد المدافع ريجوبرت سونج للمونديال الثاني في مسيرته، ما سمح لسالاس وزامورانو بالتقدم إلى دور الستة عشر.
بصعوبة حققت فرنسا العلامة الكاملة في المجموعة الثالثة بالفوز على كل من جنوب أفريقيا والسعودية والدنمارك على الترتيب دون أن تقدم عروضا تجعلها ضمن زمرة المرشحين للقب.. فقد استفادت من هدف عكسي لبيير عيسى مدافع جنوب أفريقيا في اللقاء الأول، ووجدت نجمها زيدان يُطرد أمام السعودية رغم الفوز الكبير، فيما اعتمدت الدنمارك من جانبها على خبرة الأخوين بريان ومايكل لاودروب وتألق الحارس بيتر شمايكل.
أولى مفاجآت البطولة كانت في المجموعة الرابعة حين ودعت إسبانيا النهائيات رغم فوزها في الجولة الختامية على بلغاريا (6-1).. السبب خسارة في الجولة الأولى أمام نيجيريا (3-2) وعجز عن هز شباك حارس باراجواي العملاق خوسيه لويس شيلافيرت خلال التعادل السلبي في الجولة الثانية.
تألق الفتيان الجديدان راؤول جونزاليز وفرناندو مورينتس لم تشفع للمدرب خابيير كليمنتي أن يذهب بالإسبان بعيدا، فكانت بطاقتا دور الستة عشر من نصيب كل من نيجيريا وباراجواي.
الجارتان هولندا وبلجيكا وقعتا في المجموعة الخامسة مع كوريا الجنوبية والمكسيك.. تلك الأخيرة ضربت المثل في العودة من الخلف دائما.. تتأخر مرتين بهدفين وفي كل مرة تدرك التعادل (2-2) سواء مع بلجيكا أو هولندا التي رافقتها إلى الدور التالي.
احتفظت المكسيك بثنائي هجومي متألق شكله لويس هرنانديز وكواوتموك بلانكو، وسجل ذلك الأخير هدفا صعبا في مرمى بلجيكا حين طار في الهواء لمقابلة عرضية رامون راميريز في المرمى.. حيث وضع الكرة بقدمه اليسرى في الزاوية الضيقة رغم أن الطبيعي كان مقابلتها بيمناه.
السياسة تطل برأسها في المجموعة السادسة.. ليست ألمانيا بطلة أوروبا من يلفت الأنظار.. ولا حتى ابنة قارتها يوغوسلافيا.. بل إيران والولايات المتحدة.. لقاء لا يمكن نزعه عن التصريحات النارية بين ساسة البلدين وتاريخ صعب يعيد إلى الأذهان أزمة رهائن السفارة الأمريكية بطهران.. هتاف "الموت لأمريكا" الذي يرج ساحات صلوات الجمعة يتعرض لاختبار لم يكن في الحسبان.. ها هي أمريكا.. وإن كانت في كرة القدم لا في ميدان الحرب.
إيران تحديدا عانت الأمرين حتى تبلغ المونديال للمرة الثانية، فأخفقت في التأهل مباشرة ثم خسرت الملحق الأول أمام اليابان وأخيرا اجتازت الملحق النهائي بهدف تعادل تاريخي مع أستراليا (2-2) من توقيع خداداد عزيزي.
عزيزي هذا شكّل عنصرا بارزا في الفريق الفارسي بجوار الهداف علي دائي ولاعب الوسط المنطلق دوما للأمام كريم باقري.. ولكن هذا الثلاثي لم يظهر خلال الخسارة الأولى أمام يوغوسلافيا بهدف.. كان يبدو أن البطولة التي جاء الإيرانيون لأجلها هي التغلب على الولايات المتحدة، التي خسرت هي الأخرى أمام ألمانيا.
دخل الفريقان أرضية ملعب جيرلان في ليون، وكبادرة لحسن النوايا والتأكيد على رسائل السلام وضع الإيرانيون أطواقا من الزهور على أعناق نظرائهم الأمريكيين.. واصطف لاعبو الفريقين معا في صورة تذكارية.. ولكن ذلك كله تلاشى بمجرد بدء اللعب.
أربعون دقيقة عصيبة مرت حتى حول حميد إستيلي برأسه عرضية من اليمين إلى الشباك الأمريكية لتدخل بلاده الاستراحة متقدمة وتفكر في الاحتفاظ بـ"النصر" خلال الشوط الثاني.. حينها بدت واضحة تعليمات المدرب جلال طالبي.. تنظيم الدفاع والاعتماد على الهجوم المرتد الخاطف.. وبتلك الطريقة وكثير من التوفيق عززت إيران تقدمها عبر الجناح الأيمن الصاعد مهدي مهداوي كيا الذي انطلق تلك المرة من اليسار.. ضَمَن هدفه الفوز لبلاده بنسبة كبيرة.. فلم يكن هدف بريان ماكبرايد سوى نوع من حفظ ماء الوجه للفريق الأمريكي.
الفوز كان كافيا كي يقننع الإيرانيون بتحقيقهم إنجازا كبيرا يعوض عن الإخفاق في بلوغ دور الستة عشر الذي تأهل إليه الألمان واليوغوسلاف، فالمهمة المحددة قد نُفّذَت.. والباقي لا يهم.
ممثل العرب الثالث المنتخب التونسي غادر المجموعة السابعة بنقطة وحيدة مثلما فعلت السعودية، فنسور قرطاج تعادلت مع رومانيا بعد أن ضمنت الأخيرة التأهل، فيما كان مقعد الوصافة من نصيب إنجلترا بعد تغلبها على كولومبيا بهدفين، أحدهما من ركلة حرة لفتى واعد اسمه ديفيد بيكهام، لتكون النهاية حزينة لآخر ظهور مونديالي لجيل كارلوس فالديراما وفريدي رينكون.
في المجموعة الثامنة اضطر المشجعون المصريون لبعض الوقت حتى يدركوا –في عصر ما قبل انتشار الإنترنت والفضائيات- أن نجم وسط الأرجنتين خوان فيرون هو ذاته الذي كان يذكره المعلق محمود بكر باسمه الأوسط "سباستيان" فقط خلال أوليمبياد أتلانتا 1996.. كان عليهم إدراك ذلك مبكرا فصاحب تلك الصلعة الذي يخرج تلك التمريرات لا يتكرر كثيرا.
فاز راقصو التانجو بمبارياتهم الثلاث على اليابان وجامايكا وكرواتيا التي صعدت هي الأخرى إلى الدور التالي، مستفيدة من نضج أغلب العناصر التي شاركت في يورو 1996.
جاء دور الستة عشر بنظام خروج المغلوب.. لا فرصة للتعويض.. إيطاليا بخبرتها تفوز على النرويج بهدف فييري الخامس في البطولة، والبرازيل تتلاعب بتشيلي وتهزمها (4-1) في تألق كبير لرونالدو الذي لم يخطف بمفرده الأضواء، بل شاركته من المدرجات خطيبته سوزانا فيرنر.
رهان كبير على قدرة نيجيريا على العصف بتقليدية الدنمارك.. ولكن لوحة النتيجة تشير إلى خسارة النسور (4-1).. فرنسا تحتاج إلى هدف ذهبي عبر المدافع لوران بلان كي تتخلص من لعنة شيلافيرت حارس باراجواي.. خبرة الألمان تساعدهم على قلب التأخر أمام المكسيك إلى فوز (2-1) وتسديدة إدجار ديفيدز في الدقيقة الأخيرة تقود هولندا إلى الفوز على يوغوسلافيا بالنتيجة ذاتها.. وكرواتيا تعبر رومانيا بركلة جزاء ينفذها الهداف دافور سوكر.. اسمه ينطق "شوكير".. لكن تصحيحه بعد تلك السنوات يبدو تحذلقا لا معنى له.
مباراة أخيرة تتبقى في ثمن النهائي.. ملعب جوفروا جيشار في سانت إتيان.. الأرجنتين تواجه إنجلترا.. بعد 12 عاما من مباراة مارادونا الشهيرة التي سجل فيها مرتين: إحداهما بعبقريته.. والأخرى بيده.
تتقدم الأرجنتين عبر هدافها جابرييل باتيستوتا من ركلة جزاء.. يتعادل ألان شيرار.. في الدقيقة العاشرة.. وبعدها بخمس دقائق يرسل بيكهام كرة طولية يستقبلها ببراعة مايكل أوين.. يراوغ مدافعا أرجنتينيًا.. التالي.. يخرج الحارس كارلوس روا.. يسدد فتى ليفربول الصغير في المقص الأيمن للمرمى.. إنه يرد على هدف مارادونا.
أفضلية الإنجليز لا تدوم.. خابيير زانيتي يدرك التعادل.. بيكهام يتعرض للطرد الذي يراه ظالما.. التعادل يستمر... ركلات الترجيح.. ديفيد باتي يهدر الركلة الحاسمة لإنجلترا.. الأرجنتين تفوز مرة أخرى.
في ربع النهائي، عادت فرنسا إلى الملعب الكبير في سان دوني لمواجهة إيطاليا التي تطلعت لتكرار ما فعلته قبل 60 عاما حين أحرزت لقبها المونديالي الثاني على الأراضي الفرنسية، ولكن الاصطدام بأصحاب الأرض هذه المرة لم يسفر عن أي شيء لمدة 120 دقيقة في ظل استبسال حارس الأتزوري جانلوكا باليوكا.. ما دفع الفريقين إلى اللجوء لركلات الترجيح.
زيدان يسجل أول ركلة.. من يتقدم لإيطاليا؟! روبرتو باجيو! بعزم على تحطيم مخاوفه يتعادل لإيطاليا.. ويستمر التعادل حتى يسدد لويجي دي بياجيو كرة الأتزوري الأخيرة في العارضة ويبلغ أصحاب الأرض المربع الذهبي.
في نانت تعافت البرازيل سريعا من صدمة تأخرها بهدف أمام الدنمارك لتتقدم بهدفين وتدخل الاستراحة بأفضلية على لوحة النتيجة.. ولكن ماذا يفعل روبرتو كارلوس بعد خمس دقائق من استئناف اللعب؟ إنه يحاول تشتيت عرضية دنماركية بضربة خلفية بقدمه اليمنى التي لا يجيد استخدامها.. يخطئ الكرة فتصل إلى بريان لاودروب ليتعادل للفريق الاسكندنافي محتفلا بطريقة تشبه من يلتقط صورة تذكارية على شاطئ البحر.
لا يمضي أكثر من عشر دقائق حتى تستعيد البرازيل الأفضلية عبر ريفالدو وتحافظ عليها حتى دوي صافرة الحكم المصري جمال الغندور.. حامل اللقب مستمر في الدفاع عن عرشه.
مواجهة كلاسيكية في مارسيليا جمعت بين هولندا والأرجنتين بذكريات نهائي نسخة 1978 حين فاز راقصو التانجو بلقبهم الأول بين أنصارهم وفي الوقت الإضافي، فهل يثأر فريق الطواحين؟ لم تتأخر الإجابة حين مرر دينيس بيركامب برأسه كرة ذهبية إلى باتريك كلويفرت ليتقدم لهولندا بعد 12 دقيقة فقط.. ولكن الرد لا يتأخر.. كلاوديو لوبيز يكسر مصيدة التسلل ويتعادل للأرجنتين بعدها بست دقائق.
الخشونة عنوان الشوط الثاني.. طرد لآرثر نومان.. وأرييل أورتيجا يشبع الدفاع الهولندي مراوغة ولكن يفقد أعصابه لعدم حصوله على ركلة جزاء من ياب ستام فينطح الحارس إدوين فان دير سار ويتعرض لبطاقة حمراء.
العقاب أتى فوريا قبل النهاية بدقيقة واحدة.. كرة طولية يستقبلها دينيس بيركامب ببراعة داخل منطقة الجزاء، يراوغ روبرتو أيالا، ويسدد في أعلى الزاوية اليمنى لمرمى كارلوس روا.. هولندا تخطف الفوز وتتأهل للقاء البرازيل على ذات الملعب.
بقي الضلع الأخير من المربع الذهبي حائرا بين كرواتيا وألمانيا حين التقيا في ليون.. ظن الجميع أن خبرة الألمان ستسعفهم في الشوط الثاني لتدارك التأخر بهدف روبرت يارني.. ولكن الماكينات بدت في في حالة عطل تام خلال الشوط الثاني فاستقبلت هدفين آخرين عبر جوران فلاوفيتش وسوكر.. كرواتيا مفاجأة البطولة بلا منازع بعد ثأرها من هزيمتها أمام ألمانيا في ربع نهائي يورو 1996.
صافرة الإماراتي علي بوجسيم تعلن بدء نصف النهائي في مارسيليا.. البرازيل تتقدم على هولندا بهدف رونالدو، ولكن كلويفرت يدرك التعادل برأسه قبل النهاية بثلاث دقائق ليتوجه الفريقان نحو الوقت الإضافي ثم ركلات الترجيح، وحينها استعاد الحارس البرازيلي كلاوديو تافاريل كل بريقه وتصدى لركلتين من فيليب كوكو ورونالد دي بور ليقود بلاده إلى النهائي للمرة الثانية على التوالي.
في اليوم التالي وجدت فرنسا نفسها متأخرة أمام كرواتيا بالهدف الخامس لسوكر في البطولة.. ولكن الرد جاء سريعا بالهدف الدولي الأول للظهير الأيمن ليليان تورام.. ماذا جاء به إلى وضعية متقدمة كي يتلقى تمريرة يوري دجوركاييف؟ ربما هو نفسه لا يعرف.
ليلة تورام لم تنته.. في لحظة ما وجد نفسه على الجبهة اليمنى.. وجهه للداخل.. سدد بيسراه عكس العادة.. ذهبت الكرة إلى الشباك الكرواتية..!
انتهت المباراة وفازت فرنسا ولكن المدافع لوران بلان تعرض للطرد قبل النهاية بربع ساعة.. استاء الفرنسيون كثيرا لغيابه عن النهائي.. ليس لبراعته الفنية فحسب، بل لاعتياده أداء تميمة الفوز قبل كل مباراة: تقبيل صلعة الحارس فابيان بارتيز.
في مباراة المركز الثالث حصدت كرواتيا البرونزية بالفوز على هولندا بهدفين لواحد، وسجل سوكر هدفه السادس ليتصدر ترتيب الهدافين ويبتعد عن باتيستوتا وفييري ويختتم صيفا رائعا توج فيه مع ريال مدريد بدوري الأبطال الأوروبي.
جاء يوم المباراة النهائية.. أصحاب الأرض يواجهون حامل اللقب.. ولكن قائمة البرازيل تخلو من اسم رونالدو أفضل لاعب في البطولة!! تم الكشف لاحقا عن تعرض نجم إنتر ميلانو وقتها لإصابة بتشنج ليلة المباراة وفقا لشهادة زميله في الغرفة روبرتو كارلوس.. المدرب ماريو زاجالو جمع لاعبيه في الفندق وأخبرهم بأن الفوز لا يتوقف على رونالدو وحده.. فحين كان لاعبا فازت البرازيل بمونديال 1962 في غياب بيليه.. ووقع الاختيار على إدموندو لقيادة الهجوم بدلا من النجم المصاب.
ومع خروج اللاعبين من غرف الملابس صوب أرضية الملعب فوجئت الجماهير برونالدو وسط زملائه.. أخبر زاجالو بقدرته على اللعب وقرر المدرب الدفع به.. ربما خوفا من تعرضه للنقد لو حدثت خسارة في غياب النجم الأول للفريق.. وربما كما قال البعض كخضوع لضغوط كبيرة تتعلق بالتسويق والإعلان مارستها شركة "نايكي" راعية المنتخب البرازيلي.
على الجهة الأخرى حل المدافع فرانك لوبوف محل لوران بلان ولكنه لم يتعرض لاختبارات حقيقية خلال المباراة.. فمن ركلتين ركنيتين في الشوط الأول ارتقى زيدان فوق الجميع وسجل برأسه في شباك البرازيل مانحا بلاده أفضلية مريحة في الاستراحة.
غاب رونالدو وغاب معه كل السحر البرازيلي.. فراقصو السامبا عجزوا عن استغلال النقص العددي بعد طرد مارسيل ديساييه، وفي اللحظات الأخيرة أطلق إيمانويل بوتي رصاصة الرحمة بتسجيله الهدف الثالث لفرنسا.. هدف ابتهج معه الرئيس جاك شيراك في المقصورة الشرفية.. وتبعته مباشرة صافرة الحكم المغربي سعيد بلقولة.. الديوك أبطال العالم! الأضواء تعكس اسم زيدان على قوس النصر في باريس.. فرنسا تدخل زمرة الكبار بتتويجها الأول في المونديال.. جول ريميه صاحب فكرة كأس العالم لم يعش ليرى بلاده تحرز اللقب.

لقطات:
هدف حاجي في النرويج
هدف نجانكا في مرمى النمسا


هدف المكسيكي بلانكو في مرمى بلجيكا


ملخص مباراة إيران والولايات المتحدة


هدف أوين في مرمى الأرجنتين


احتفالية بريان لاودروب بهدفه في مرمى البرازيل


هدف بيركامب في مرمى الأرجنتين


هدف تورام الثاني في مرمى كرواتيا

الأحد، سبتمبر 29، 2013

رأيي في الناصرية


أنت لست ملزما بقراءة ما أكتب إن كان لا يهمك رأيي أو لا يهمك التعرف على الآراء في المطلق، وبالتالي إن كنت قد كوّنت قناعة كاملة عن فكرة "الناصرية" لن تهتز أبدا يمينا أو يسارا فلا معنى لإضاعة وقتك في مطالعة السطور التالية، أما إن كنت تقبل أن تستمع إلى رأي قد لا يوافق قناعتك كثيرا فأهلا وسهلا.
كثر الحديث هذه الأيام بمناسبة ذكرى وفاة الرئيس جمال عبد الناصر عن تجربته في حكم مصر ولاحظت أن الأصدقاء انقسموا في أغلبهم بين ممجد للرجل ولاعن له، وساءني كثيرا التطرف والشطط في كلا الخطابين، وهذا لا يعني أنني أقف في المنتصف أو أحاول ذلك.. فقناعتي الشخصية أن هناك أمورا لا تجوز وكذلك هناك مسائل لا تحتمل الحياد، واختصارا للمسافة فأنا أقول إنني من رافضي التجربة الناصرية، ولا أرى التغني بها إلا نوعا من الاستغاثة من رمضاء الحاضر بنار الماضي، ولكن كيف بنيت رأيي وكوّنت هذه القناعة؟ هذا ما أحاول تبيانه.
أولا أنا ضد اختصار الأمر كله في شخص عبد الناصر والحديث عن زوجته ومذهبها الديني أو عن مآل حال أبنائه، أو أن أحلل شخصيته نفسيا وموقفه من طبقة الأغنياء عموما لا الإقطاعيين فحسب، فكل ما يهمني هو التجربة بشكل عام.
لعل الإيجابية الأولى للحقبة الناصرية هي وضوح الرؤية لدى القائمين على السلطة، فهناك مشروع في إطار انتماء قومي عروبي وبأيديولوجية اشتراكية، وهناك أدوات مباشرة لتنفيذ هذا المشروع بعيدا عن فوضى المداولات وتلكؤ السعي نحو الوفاق المستحيل، وبالتالي عرفنا بسرعة فكرة الصناعات العملاقة والمشروعات الطموحة كالسد العالي وإنتاج السيارات وغيرها، كما خطونا قدما في اتجاه محو الأمية.
وخارجيا صار لمصر وضع خاص كدولة رائدة بحق لها نفوذ كبير في محيطيها العربي والأفريقي وحتى خارجهما من خلال مجموعة دول عدم الانحياز، صحيح أن المحيط العربي انقسم بين رجعي وتقدمي ولكن هذه هي طبيعة الأشياء.. وهو إلى الآن لا يزال منقسما وسيظل طالما كانت الدول تتبنى أفكارا مغايرة وتختلف نظرتها إلى الكثير من القيم.. فكل المطلوب من فكرة الوحدة العربية هي وحدة القرار ربما بحيث يكون هناك حد أدنى من المواقف الجمعية تجاه قضايا رئيسية، وأعتقد أن الفترة الناصرية شهدت ذلك الإجماع، على الأقل فيما يخص القضية المركزية: فلسطين، وهو موقف من غير الوارد الآن مجرد التفكير فيه.
في المقابل، دشن عصر عبد الناصر الدولة البوليسية الحقيقية التي تفوق ما كان عليه الوضع أيام الملكية بكثير، فالمعتقلات اتسعت للجميع، وأحسب أن من نحسبهم شهداء من طراز عبد القادر عودة وسيد قطب وشهدي عطية وغيرهم من غير المشاهير سيبقون عالقين في ضمير كل من يحاول تبرير جرائم تلك الحقبة، شأنهم شأن الرئيس محمد نجيب، ولا أستطيع أن أتخيل شخصا يدافع عن ممارسات شمس بدران أو صلاح نصر أو حتى عبد الحكيم عامر.
من القمع الداخلي وكبت حريات الصحافة والرأي وتعقب فلول الأحزاب بمن فيها الأحزاب الوطنية كالوفد، جاءت عملية قسم المجتمع بشكل طبقي من خلال خلق حالة من العداء بين الأغنياء وغير الأغنياء عموما.. ولا أقول الفقراء فقط لأن الأمر لا يمكن اختزاله في ثنائية تتجاوز الطبقة الوسطى.
قوانين الإصلاح الزراعي كانت أول مسمار في نعش القطن المصري، وخفض إيجارات العقارات ونقل ملكية المساكن فعليا إلى المستأجرين كان قرارا يحمل ظلما كبيرا لقطاع ما ربما لم يعاد الثورة ولم يكن داعما لقوى الإمبريالية، وجعلت الأمر يبدو وكأنه لا بديل لنصرة غير الأغنياء إلا عن طريق تحويل الأغنياء إلى فقراء.
الوضع العسكري حدث ولا حرج، تحرك غريب في اليمن والكونغو، وهزيمة نكراء شنعاء في 1967 أسقطت النقاب عن كل الفساد في المؤسسات الحاكمة وحتى ما يتبعها بشكل كوميدي غير مفهوم مثل التنظيم الطليعي السري.
هنا تصدق الصورة المتداولة أن عبد الناصر تولى المسئولية ومصر والسودان دولة واحدة كبيرة، ثم تركها في صورة الوادي والدلتا وصحراء شرقا وغربا دون وجود لسيناء.
ولا يهمني هنا إن كان الملايين خرجوا في جنازته أو ترجوه ألا يتنحى عن الحكم، فمشاعر الجماهير يسهل التلاعب بها وتنويمها وهي في الأعم الأغلب لا تعرف أين مصلحتها الحقيقية، وكلما تجمعت ووُجهت كلما انخفض مستوى ذكائها.
إجمالا هذا هو الطرح الناصري: مشروعات قومية طموحة تقوم على الاشتراكية يتبعها فساد في الأجهزة الحكومية وقمع للحريات وانقسام للمجتمع وربما هزائم عسكرية.. وبالتالي بحساب المكسب والخسارة أرفض هذا الطرح تماما.
وأكد رفضي ما أراه حاليا من سلوك من يصفون أنفسهم بالناصريين، وعموما لا أجد شيئا بائسا كنسبة فكرة أو فلسفة ما إلى شخص بعينه والحديث عنها كأن أخطاءها مجرد هفوات يمكن تفاديها مستقبلا، هذا إذا اعترف أحد حملتها بوجود هذه الأخطاء، فلا أعرف ماركسيًا يقول إن ماركس أخطأ في كذا، ولم أسمع بأحد الماويين ينتقد الثورة الثقافية مثلا، والناصريون ليسوا بدعا من ذلك.
فالناصريون لا يكتفون بميراث السلبيات الثقيل الذي خلفته حقبتهم الذهبية، بل أضافوا إليه الكثير من القيح تراه الآن في مواقفهم من الانقلاب الأخير وما صاحبه من مجازر، فبجانب حمدين صباحي الذي كان آخر أمل لي في الناصرية وصوتت له في الانتخابات الرئاسية، سقط النقاب عن آخرين صدمونا بآرائهم مثل الروائي بهاء طاهر، والصحفي حمدي قنديل، وغيرهما كثيرون من الأصدقاء غير المشاهير الذين لاذوا بالصمت إزاء ما يحدث، أو انتقدوا ممارسات سابقة لا تمثل عشر ما حدث أيام الناصرية التي يمجدونها.
وبالتالي في ذكرى وفاة عبد الناصر لا أملك سوى تجديد رفضي لذلك المشروع –رغم إيجابياته- وأن أترحم على من ذاق العذاب في المعتقلات باسم حماية الثورة وأن أدعو الله أن يقتص له، أما غير ذلك من شخص الرئيس السابق فلا يعنيني.


ملاحظة أخيرة: كاتب السطور قرأ كتاب "لمصر لا لعبد الناصر" لمحمد حسنين هيكل، ولا داعي لنصيحته بقراءته مجددا.

الجمعة، سبتمبر 13، 2013

مع السوريين في مدينتي

أتاح قدر سكني بمدينة السادس من أكتوبر الفرصة كي أتعامل بشكل شبه يومي مع عينات مختلفة من الإخوة السوريين المقيمين في مصر، وهم هنا في المدينة يظهرون بكثافة تفوق تلك التي كان عليها الإخوة العراقيون قبل نحو عشر سنوات، وبالتالي فإن الشرائح الممثلة متنوعة للغاية ولكنها رغم ذلك تشترك في سمات عامة.
أبرز ما يميز السوريين هنا هو اعتزازهم الكبير بانتمائهم الوطني، فأسماء جميع المحلات تعبر عن ذلك "ميدان الشام، البدر الدمشقي، سوريانا، المركز السوري لصيانة الدش.."، فضلا عن حرص بعض الشباب على حظاظة علم الاستقلال السوري وغيرها من الإشارات التي تجعلك تدرك بسهولة أنك أمام شخص من بلاد الشام.
وقد يخيل للبعض أن هذا الحرص على إبراز الهوية الوطنية يعكس نظرة قومية قُطرية ضيقة كتلك التي نعاني منها في مصر حاليا، ولكن الواقع عكس ذلك تماما، فأول ما تلاحظه عند تعاملك مع السوري بالبيع أو الشراء أو حتى الحوار الجانبي مع الجار أو الراكب المجاور أنه إنسان ودود بدرجة كبيرة يحب الكلام ويتحاشى دوما أن يبدي رأيا له حول أي شيء يخص مصر سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا حتى، فهو لا يعقد مقارنات أبدا بين المرور في سوريا والمرور في مصر مثلا، هو فقط يتحدث ويستفيض حين تسأله عن سوريا.
وهذه الصفة ميزت السوريين في مصر حتى قبل الانقلاب الأخير، أي قبل أن يتحولوا إلى هدف لحملات تحريض إعلامية خسيسة، وبالتالي لا يمكن الزعم بأن هذا السلوك المتواتر يرجع إلى جبن أو رغبة في تفادي المشاكل فحسب.
السوريون تخصصوا بشكل كبير في قطاع المطاعم، فالشاورما والمثلجات والتسالي والحلوى والألبان وأحيانا البقالة هي أبرز المجالات التي تلاحظ انتشارهم فيها، وهناك تجد فارقا عميقا بينهم وبيننا نحن المصريين.
في المطعم السوري النظافة هي السمة الأبرز، فلا يقوم زبون من مائدته إلا وتكون قد نظفت في دقيقة لاستقبال الزبون التالي، وحتى إن كانت الطاولات في الشارع فإن الهواء قد لا يلقي بورقة على الأسفلت إلا وتجد من يلتقطها من عمال المطعم في حينها.
يضاف إلى النظافة جودة الطعام نفسه ووفرة كميته وانخفاض سعره مقارنة بالوضع مع المطاعم المصرية، ناهيك عن المعاملة الرائعة التي تبدأ بطبق التحية المستنثى من الحساب شأنه في ذلك شأن السلاطات والخدمة، وصولا إلى الدعاء اللطيف بعد دفع الحساب "يعوّض عليك".
نفس آداب المعاملة تتكرر في أي مجال آخر غير المطاعم، فتشعر وكأن كل السوريين في هذه المدينة عائلة واحدة كبيرة جدا تشترك في نمط معين من التربية يجعلك لا تنزعج أبدا من جيرتهم، بل قد تفضلها على جيرة كثير من المصريين من محترفي إثارة المشاكل وافتعال المتاعب والقول الفظ.
وأمام هذا الاحتكاك المستمر بيني وبين الإخوة السوريين، أتساءل: هل هم يتقنون عملهم بشكل زائد عن الحد أم أن كثيرا منا نحن المصريين للأسف لا يحسن عمله؟ هل هم فقط مهوسون بالنظافة أم أننا لا نكترث بها ونعتبرها معيارا ثانويا؟ هل هم فقط رغم الآلام الكبيرة التي أصابتهم يجيدون التبسم في الوجه والكلمة الطيبة أم أننا نحن من يتفنن في النكد والعبوس والتعبيرات العنصرية؟

شخصيا سعيد بجوار السوريين، ولكن ما أحزنني هو هذا الفارق الكبير في تعاملاتنا وتعاملاتهم الذي أكتشفه يوما بعد آخر.

الاثنين، أغسطس 19، 2013

دليل التعريص - فصل إبراء الذمة

 في هذا الفصل من الكتاب نناقش بعض الاستراتيجيات التي قد تحتاجها لإبراء ذمتك من أحداث مؤلمة يظهر فيها الحق جليا، ولكنك لسبب أو لآخر لا تستطيع الانحياز له بشكل كامل.. فتكون حاجتك أكبر إلى إبراء الذمة بشكل يحفظ لك بعض المصداقية أمام البلهاء، ويبقيك في منطقة وسط بين أصحاب الحق فتحتفظ بأملهم فيك من ناحية، وتبقي على ثقة أصحاب الباطل، من ناحية أخرى.


1-    الجزاء من جنس العمل: عليك دوما أن تروج لفكرة أن الضحية الذي يعاني من الظلم الآن سبق وقد مارسه حين كان في وضعية أخرى، وبالتالي فإن ما يحدث له حتى وإن كان يفوق في بشاعته أخطاء الماضي، فإنه الجزاء الإلهي العادل له، وهذا يجعل الناس تنصرف من التعاطف مع الضحية إلى التدبر في عدالة القدر، وهنا لا ينبغي أن يفوتك تطويع بعض النصوص الدينية لخدمة غرضك.

2-    لا ثقة في الضحية: يمكنك استدعاء مواقف كثيرة لجأ فيها الضحية للكذب أو الخداع، وبالتالي حتى لو خرج لاحقا بصورة أو فيديو يظهر فيها تعرضه لانتهاك كبير لا يمكن إنكاره، فإن ماضيه يفتح الباب أمام وجود تلاعب في تلك المادة، فكل شيء يبقى في حاجة إلى "تأكيد" من "مصدر محايد".. وأنت تعرف بالطبع أن المسافة من الأرض إلى نبتون تبدو أقرب من ذلك. ويمكنك أيضا الاستعانة ببعض السقطات التي ستطرأ على سلوك الضحية نتيجة سعيه الجنوني للنجاة، ومن ثم تستغلها للتدليل على رأيك بأن لا ثقة فيه.. فأنت حين ترى دجاجة تذبح فهي تقوم بعملية "الفرفرة" التي قد تنقر خلالها ذابحها.. وبالتالي يمكنك تسويق جانب من المشهد على أن الدجاحة ليست سلمية وهي مشاركة في العنف أو ربما مبادرة به.. كونها نقرت يد الذابح قبل أن يمس سكّينه نحرها.

3-    الباطل يضرب الباطل: وهذه مرحلة متقدمة لا تلجأ لها في البداية.. فهي فقط واردة حين يستحيل تبرير ما يفعله الجاني بشأن الضحية، فعليك هنا أن تزعم أن الاثنين على الباطل، وبالتالي فإن الانحياز لأحدهما هو تغليب لباطل.. وربما توهم البعض بأن الأفضل هو الانتظار لرؤية أي باطل منهما سينتصر، وحينها تكون المعركة ضده مباشرة بدلا من تشتيت الجهود، وبالطع أنت تعلم في قرارتك أن عند انتصار الباطل المعروف الآن فلن يكون هناك في المستقبل أي شخص يقف ضده، لأن من يقف ضده يُقتل اليوم.

4-    تحجيم القضية: وهذا من أسهل الأمور، فإذا رأيت جانيا وضحية كما هو المعتاد فيمكنك العودة بالمشهد إلى نقطة انطلاقه، فحينها قد يكون صراعا سياسيا.. ومهما تطور بعد ذلك إلى مذابح أو جرائم ضد الإنسانية فعليك أن تعيده مرة أخرى إلى نقطة الصراع السياسي.. وبالتالي تتحدث عن المتعطشين للسلطة الذين لا يمانعون الموت في سبيلها. ولكن المشكلة هنا إن سقط أحد من الضحايا ممن تعرفهم أنت شخصيا وتعرف أن المسألة بالنسبة له لا علاقة لها بالسلطة بل الانتصار للحق، فهنا ينبغي أن تغير الاستراتيجية إلى فكرة الأسف على من غُرر بهم.

5-    الاستشهاد بالتاريخ: فالتاريخ مليء بكل ما تريد لتبرير التخاذل عن الحق.. فمثلا لو كان الأمر سياسيا ووقع انقلاب ما، فهنا عليك فورا باستحضار الإمام الحسن بن علي، وتستشهد بتفضليه حقن الدماء على سفكها من خلال تنازله عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان. المشكلة التي ستواجهك في خطوة كهذه وجود قارئ حقيقي للتاريخ، فربما يرد عليك بأن المشهد انتهى بمقتل الحسن ذاته مسموما، وتحول الخلافة إلى ملك وراثي، ومقتل الحسين في كربلاء واستباحة المدينة وغيرها من الفظائع.. لذا ينبغي الحذر وأن يتم ترويج هذا المثال بين السطحيين فقط.

6-    الاهتمام بالشكل بدلا من المضمون: وهذه سهلة للغاية، فعليك بتحليل مفردات خطاب الضحية بشكل أشبه بالتحريات الأمنية، وتركز كل جهودك على انتقاد ذلك الخطاب بمعزل عن الظروف الذي خرج فيه أو كون الناطق به يعبر عن حالة فردية أم لا، وبالتالي تتجاهل تماما حقيّة القضية من خلال إبراز الشطط في الخطاب.

7-    إدانة الضحية: وهذه مرحلة متقدمة أيضا حين يستحيل غض الطرف عن الفظائع المرتكبة بحق الضحية.. هنا ستذكرها وتعترف بها لكن في مساحة محدودة جدا.. فإن كنت تكتب مقالا مثلا فلا بأس من تقسيمه إلى أربعة أخماس وخُمس واحد.. ستبدأ بالجزء الكبير وتسخره تماما لإدانة سلوك الضحية في السابق وتحمله مسئولية ما وصل الحال إليه وتؤكد رفضك لكل ما يصدر عنه، ثم في الخُمس الأخير تكتب جملة أو اثنتين عن أنه مع ذلك، فليس من المقبول أن يتم ذبح الضحية بهذه الصورة. ويمكنك أيضا أن تركز جل اهتمامك على ماذا كانت الدجاجة لتفعل لو أمسكت بالسكين.. بالطبع سترتكب نفس جرائم ذابحها وبالتالي فلتذهب غير مأسوف عليها.

8-    الأبقار المقدسة: عليك باللجوء إلى بعض الشخصيات التي قررت بيع ضمائرها وانحازت إلى الجاني أو انسحبت من المشهد بعد خراب مالطة، وتجعل منها مرجعيتك.. وربما تنتقل لاحقا إلى فكرة أن الجاني لا يمكن أن يخطئ أبدا.. وتعتمد هنا على ذاكرة البعض الضعيفة التي لن تستعيد كلماتك في الماضي وأنت تلعن نفس الجاني مع ضحية أخرى غير ضحية اليوم.

هذا هو المستوى الأول من الاستراتيجيات الخاصة بإبراء الذمة من دليلنا، وقبل الانتقال إلى مستوى آخر فهناك بعض التمارين التي يمكنك اختبار قدرتك عليها من خلال الأحداث الجارية، ويُفضَّل قبل الشروع في التمارين الاطلاع على بعض الأمثلة التي تعتبر مرجعية في هذا الحقل.

الجمعة، أغسطس 02، 2013

الكنيسة الأزهرية

  

أستشعر أن هناك اتجاها قويا لإضافة مؤسسة الأزهر إلى قائمة الكنائس المصرية، ولن يكون ذلك أولا عن طريق قوانين أو نصوص دستورية بقدر ما سيكون عبر إعادة صياغة صورة الأزهر أو قل صورة الإسلام ذاته في الوعي الجمعي لدى المصريين.

بدأ الأمر منذ نحو عام أو أكثر حين ارتفع نجم الإخوان المسلمين والتيارات السلفية في الساحة السياسية المصرية، ونجح ممثلوها في القبض على أغلبية البرلمان قبل حله، بل ووصل رئيس إسلامي إلى مقعد الرئاسة قبل عزله من قبل العسكريين.

صاحب ذلك الصعود ما يمكن تسميته بانفلات في الخطاب الإعلامي من قبل المحسوبين على التيارات الإسلامية، خاصة من يعمل منهم بالجانب الدعوي مثل حازم شومان وعبد الله بدر وصفوت حجازي وبعض المذيعين، بجانب بعض الساسة للأسف.

"المتأسلمون" كان اللفظ الذي اختاره الإعلام الذي تسيطر عليه النخب العلمانية لإطلاقه على ذلك الفريق بدعاته وساسته، وبدأت حملة واسعة النطاق لتعميم كل سلوك خاطئ يصدر من أحد الرموز على التيارات الإسلامية، باختلافها وتعددها.

وبجانب ذلك كانت هناك حالة من الهرولة إلى مؤسسة الأزهر باعتبارها تمثل القيم "الوسطية" في مواجهة "تشدد" الجماعات السياسية التي تتبنى شعارات إسلامية، وتم تجاهل الاختراق الحكومي من أيام مبارك للمؤسسة الأزهرية، وبالتالي أعيد إلى المشهد بعض القيادات داخل الأزهر المعروفة بولائها الكامل للجهات الأمنية، وعدائها لكل الحركات الإسلامية.

كل ذلك لم يكن يمثل خطرا حقيقيا إلى أن بدأت في الأشهر الأخيرة قبل عزل الرئيس مرسي عملية تلميع فائقة للأزهر، وكأنه مؤسسة لا تنطق قياداتها "الرسمية" عن الهوى، واقترن ذلك بتجاهل تام لتواجد تيارات متباينة داخل الأزهر ذاته كجبهة العلماء التي تعارض دوما القيادات الرسمية، وكبعض الشيوخ المعروفين بتوجهاتهم السلفية أو بانتمائهم لحركات إسلامية سياسية.

هناك الآن برنامج تلفزيوني مثل "الأزهر المجيد" هدفه إضفاء صبغة من القدسية على المؤسسة بكاملها، وهناك عالم أزهري مثل أحمد محمود كريمة صار -بكل "تنازلاته" عن أفكاره هو نفسه- رمزا للاعتدال ولروح الإسلام.

ومع تزايد الدعوات للقضاء تماما على الحركات الإسلامية السياسية بعد غلق منابرها الإعلامية المنفلتة، تزداد حدة عملية تلميع الأزهر لدرجة تجعل القائمين عليه أو كل من ارتدى عباءته وعمامته يحظى بقدسية ذاتية، تماما كـ"رجال الدين" لا "علماء الدين" المنتسبين للكنائس المختلفة.

وهذه القدسية مرتبطة بوجود خطاب أزهري يرفض الحركات الإسلامية ويقدم طرحا للدين الإسلامي لا يتعارض مطلقا مع مصالح النخب العلمانية، فهو خطاب تصالحي مع الواقع –أيا كان الواقع- بامتياز، وبالتالي فإن الحفاظ على القدسية مرتبط بالاستمرار على هذا الخطاب الذي ستروجه وسائل الإعلام.

هذه القدسية لن تبدو في أول الأمر مفرغة للإسلام من محتواه، بل بالعكس ستعطي احتراما كبيرا لـ"رجل الدين" الأزهري، وسيقف له الناس في طرقات إجلالا لدى مروره، بل وقد يقبّلون يده، ولكنه سيكون كالتحفة المعروضة، بمعنى أن تأثيره ووجوده وآراءه سيكون مكانها المسجد فقط.

وبما أن ذلك الرجل سيكون هو الوحيد المخول بالحديث عن الإسلام أو استلهام أية قيمة منه في الحياة العامة، فإن الإسلام ذاته سيبقى حبيس جدران المساجد، خاصة مع تواصل حملة إعلامية أخرى –غير حملة تقديس الأزهر- تغرس قيم العلمانية وتسفه من فكرة استدعاء الإسلام في الشأن العام.

هنا قد يصل الأمر إلى وضع ما يشبه الإكليروس الأزهري، فربما تكون لدينا رتب دينية ولو على سبيل التشابه مع تلك الرائجة في الحوزات العلمية للشيعة، بيد أن تلك الأخيرة غير مقيدة أبدا بسلطان الدولة، عكس الأزهر الذي سيعمل وفق خطة مرسومة.

فالمؤسسة الدينية الشيعية وإن كانت قد حظيت بقدسية تظلل رجالها ورتب تشبه الوضع في المسيحية، فهي مستقلة ماليا عن الدولة، ولا يضطر أي من رموزها لمنافقة من هم في الحكم أو من يسيطر على الإعلام لاستبقاء قدسيته، فهو يستمدها عبر تفاعله المباشر مع الشارع، والذي فتح له المجال للعب دور سياسي.

أما رجل الأزهر فسيكون حريصا على استبقاء قدسيته والامتيازات التي يخولها له الإعلام باعتباره وكيل الدين في الأرض، ومن ثم سيساير النخب المتحكمة في المشهد العام في اتجاهاتها، ولن يفكر أبدا في وضع قدم في "مستنقع السياسية" ليحافظ على مكتسباته.

السيناريو الأسوأ سيكون دخول رجل الأزهر في مشهد كذلك في الشأن السياسي، ولكن دون خيار مستقل لأنه لا يملك رفاهية الاستقلال، وبالتالي سيكون دخوله مشروطا ببعث الحركات الإسلامية السياسية للمشهد مرة أخرى، وسيكون دوره عندها هو تكفير هذه الحركات باعتبارها من "الخوارج" عن المجتمع، وهو دور يؤديه البعض من الآن.

في حال تحقق ذلك السيناريو الأخير فسنكون أمام ما يطابق كنائس القرون الوسطى في أوروبا المتحالفة مع النخب الإقطاعية الحاكمة، وإذا لم يتحقق واحتفظ الأزهر بقدسية مقترنة ببعده عن السياسة فسنكون أمام مؤسسة "مدخلية" من الطراز الأول، أو ربما كنسية كحال الكنائس في الاتحاد السوفيتي مثلا، أو في دول أخرى في عالم اليوم.

الخميس، أغسطس 01، 2013

تأمُّل


14 يونيو 2013


للأسف بلغ الأمر بنا في مصر حدا غير مسبوق من التصنيف السياسي الفوري، بمعنى أنك إن انتقدت المعارضة الآن فسيُلصق على قميصك شعار جماعة الإخوان المسلمين شئت أم أبيت، وكل هذا في إطار متفاوت القوة من الإرهاب الفكري، وكأن تهمة جنائية ستثبت عليك أو فضيحة ستلحق بك.

هذاالتصنيف الفوري التعسفي الشبيه بمحاكم التفتيش السابقة يدل بوضوح على ضيق شديد في الأفق، وعدم قابلية للحوار، وقناعة مسبقة من كل فرد بأن ما يصدر منه هو حقيقة مطلقة لا تقبل الشك أو الجدل.

أعتقدأن ذلك ليس وليد اللحظة الحالية التي تشهد استقطابا سياسيا بالغا بدأ منذ أكثر من سنتين، فأرى أن الظاهرة مرتبطة بثقافتنا نحن المصريين، فلو استرجعت معي أغلب النقاشات التي مرت أمامك أو شاركت فيها بنفسك منذ الطفولة ستجد أنها كانت حوارا للصم لا يسمع فيه أحد الآخر، فيبدو الأمر وكأنه نزال لفظي مهما كانت تفاهة الموضوع والمهم هو الخروج منه بالنصر.

في العالم هناك شهوات عدة تتحكم في تصرفات الإنسان كالأكل مثلا أو الراحة أو المتعةأو المظهرية، وفي مصر لدينا شهوة أخرى لا تقل قوة تتمثل في إفحام الآخر أو التحقير من رأيه أو إظهاره بمظهر المأجور أو الببغاء الذي يردد ما لا يعي طالما هو مختلف في الرأي.

تلك الشهوة التي أزعم أنها من ملامح ثقافة جيلنا وجيل من سبقنا يمكنك تلمس مثال لها في موضوعات التعبير خلال فترة الدراسة الثانوية، فكان بعض المدرسين يمرر إلى طلبته مقدمة تحريرية يقول إنها تصلح للتمهيد لأية فكرة! تلك المقدمة تقول "مما لاشك فيه أن....".

وحين أراد البعض التنويع في تلك المقدمة طرح بديلا آخر ولكنه بنفس المعنى، يقول"لا يختلف اثنان على أن..."! وأصابت الغيرة معلمي اللغة الإنجليزية فنصح بعضهم الطلبة بتصدير أي موضوع بعباراة: No one can doubt that….

فإذاكان الجيل الأكبر يمرر إلى الجيل الأصغر ثقافة عرض الآراء الشخصية على أنها حقائق مسلّم بها لا تقبل الشك أو الاختلاف، فقد عزز لديه من شهوة الانتصار في السجالات بأي ثمن، بل والآن بعد سنوات ها هو يعتبر من يخالف رأيه شخصا غير منطقي، وكأنه يقول لنفسه "رأيي لا يقبل الشك.. فمن ذا الذي يعارضه؟ لا بد أنه من الخرفان أو المأجورين".. وهكذا.

المشكلة الأكبر أن من يقوم بهذه الممارسة هو دوما أكثر المتشدقين بعبارات مثل ثقافة الحوار، أو ضرورة التوافق، أو احترام حرية الآخرين في تكوين آرائهم، أو البحث عن الحقيقة، في حين أنه أول من ينسف كل ذلك إذا سنحت أو حتى لم تسنح له الفرصة، فهو غالبا قد تعلم تلك المصطلحات كي يوظفها في موضوع يفتتحه بنفس المقدمات المحفوظة، لا أكثر ولا أقل.

عن هذه الشهوة التي عززتها سلوكيات دارجة في مصر تحدث عالم الاجتماع العراقي الراحل علي الوردي من منطلق بيئته ودون استقطاب سياسي، فقال منذ زمن وأراه قد صدق: "وأرجو من القارئ ألا ينخدع بما يتحذلق به المتحذلقون من أنهم يريدون الحقيقة ويريدون الوصول إليها بأي ثمن. إن هذا هراء مابعده هراء. إن الإنسان حيوان وابن حيوان وذو نسب في الحيوانات عريق. فهو يود من صميم قلبه أن يكون غالبا ويكره أن يكون مغلوبا على أي حال".

4 ش عبد الخالق ثروت



15 مارس 2013 

بهذا العنوان يقع مبنى مهيب من ثمانية طوابق يشرف على منطقة وسط القاهرة.. هو بالطبع مبنى نقابة الصحفيين التي تستعد بعد ساعات من الآن لإجراء انتخابات التجديد النصفي لمجلسها.وحديثي هنا ليس عن الانتخابات وضرورة اختيار المرشح (س) ومقاطعة (ص).. فأنا لم أكلف نفسي حتى عناء مطالعة البرامج الانتخابية وسارعت بحذف كل الرسائل النصية القصيرة التي وصلتني عبر الهاتف للدعاية لهذا المرشح أو ذاك، وأغلب الظن أنني لن أذهب للتصويت رغم علمي بمكان لجنتي.
ما أريد التحدث عنه هو أن الوسط الصحفي في مصر –كغيره من الأوساط المهنية- يشهد نفاقا كبيرا يتجسد بالدرجة الأولى في النظرة إلى النقابة ودورها والانضمام لها وغير ذلك.
في مصر هناك آلاف من الصحفيين العاملين لدى المواقع الإلكترونية مثلا غير مقيدين بجداول النقابة لأنها لا تعترف بهم، فهي تعترف فقط بالعاملين بالصحف المطبوعة تلك الحاصلة على ترخيص من المجلس الأعلى للصحافة، بجانب العاملين بوكالات الأنباء.
وللقيد في النقابة ينبغي أن يكون الصحفي مرتبطا بعقد إما غير محدد المدة أو يجدد تلقائيا مع أي من هذه المؤسسات، على أن تقوم الإدارة بنفسها بترشحيه للالتحاق بالنقابة.
نحن هنا أمام حالة نادرة مقارنة بالنقابات المهنية الأخرى، فمثلا خريجو الطب والهندسة والتجارة والصيدلة ينتسبون تلقائيا إلى نقاباتهم بمجرد التخرج، وخريجو الحقوق يمرون ببعض الخطوات –السهلة نسبيا- للالتحاق بجداول نقابة المحامين.
وفي المقابل يبقى الصحفيون مقيدين بعدة عوائق للالتحاق بالنقابة، فأولا هم مطالبون بالعمل لدى مؤسسة معترف بها أي أن تكون صحيفة مرخصة محليا أو وكالة أنباء، وعليهم نسيان أن الواقع – لا أقول حتى المستقبل- صار يعترف بالمواقع الإلكترونية أكثر من المطبوعات.
وثانيا عليهم أن يتحملوا الأمرين لإقناع إدارات مؤسساتهم بجدارتهم بالتعيين، ثم بجدارتهم بالترشح لعضوية النقابة، وهناك تبدأ معركة أخرى مع لجنة القيد التي قد ترجئ المرشح للجنة قادمة لأي سبب تراه.
هذه المقدمة الطويلة التي يعرفها كل الصحفيين تقريبا لا بد من ذكرها لأنها تجعل الصحفي غير المقيد في النقابة دائم المناداة بتعديل تلك اللوائح. هو يقول دوما إنه صحفي ويقدم براهين تفوقه حِرَفيا على بعض المقيدين، ولكنه للأسف لا يستطيع إثبات مهنته في بطاقة هويته إلا بعد القيد نقابيا، طبقا للقانون، كما يُحرم من بعض التسهيلات والمشروعات التضامنية.
وتمر الأيام ويحصل صاحبنا بعد جهد جهيد على الكارنيه الذهبي ويصير صحفيا نقابيا، وحينها يترك خلفه كل الشعارات التي رددها عن ضرورة تعديل اللوائح، وحين تسأله في جلسة صفا عن رأيه في ذلك تجده يتبنى النقيض تماما، فيدعو إلى وضع ضوابط أكثر للعضوية في النقابة "عشان ماتلمّش"!!!
هو يتناسى ربما السنوات التي قضاها في انتظار التعيين يعمل خلالها بمرتب زهيد وأحيانا دون مرتب أصلا، ولا يرى فقط سوى واقعه الحالي.. أو لعله لم ينس ولكنه صار –بكل أنانية- يؤمن بأن المعاناة واجبة على الجميع طالما تعرض هو لها.
هو يتحول إلى كائن نقابي مع الوقت، يقضي جزءا محددا من يومه في كافيتريا النقابة ويجري كل مقابلاته هناك خاصة مع من لم ينضموا لها بعد كنوع من التباهي الضمني، وهو لا يكف عن الحديث عن دوره في إجهاض مؤامرات الإخوان لابتلاع المجلس، ويتمسك بين حين وآخر بضرورة قصر العضوية على العاملين بالمطبوعات فقط بينما لا يتردد عن قبول "سبّوبة" في موقع إلكتروني أو قناة تلفزيونية متى سنحت الفرصة.
تلك الكائنات النقابية تجلعني أنفر حقا من رؤيتها متجمعة في يوم الانتخابات وقد بدلت شعاراتها وصدقت نفسها، وبالتالي أصرف النظر عن الموضوع ككل وأكتفي بكتابة ما في نفسي عبر هذه السطور.

شافيز مات




6 مارس 2013

كثير من المعارف والأصدقاء تسابقوا في التعبير عن حزنهم لوفاة الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز بعد معركة شرسة مع السرطان، أعاذنا الله وإياكم منه. وأثناء متابعتي لجمل الرثاء على الشبكات الاجتماعية تذكرت فورا رائعة "جيفارا مات" بصوت الشيخ إمام التي رثى فيها "التشي"، ولكن ذلك لم يعن بالضرورة مقارنة بين الشخصيتين اللاتينيتين.
أسر شافيز مشاعر العرب لسنوات طويلة قبل تفجر الثورات الشعبية الأخيرة، فهو من انتقل من انتقاد إسرائيل إلى قطع العلاقات معها وطرد سفيرها بسبب جرائمها في غزة وفلسطين بوجه عام. ورغم أن الرئيس البوليفي إيفو موراليس، أبرز حليف إقليمي لشافيز، أقدم على إجراء مماثل فإنه لم يحظ بنفس الصدى الذي كان لزعيم فنزويلا.
ربما لأن شافيز لم يوجه جل حديثه الإعلامي إلى تراث نبات الكوكا ومظلوميات الشعوب الأصلية في أمريكا اللاتينية مثلما فعل موراليس، وربما أيضا لأنه كان على رأس دولة إمكانياتها المادية تفوق بوليفيا بحكم إنتاجها النفطي قبل أي شيء.
شافيز الذي أفلت حكمه من انقلاب عسكري بشكل أكسبه مزيدا من الشعبية في بلاده، حظي في العالم العربي بدعم كبير، وصارت استضافته في أي من الفضائيات موعدا للتجمع والتحسر على القادة العرب الذين سقط بعضهم مؤخرا.
شافيز بلا شك قائد عظيم، ولكننا مرة أخرى نخفق في رؤية الصورة كاملة. صحيح أن هذا الرجل حقق تطويرا داخليا في فنزويلا، وكان شوكة في حلق الولايات المتحدة بمنطقة أمريكا اللاتينية، ولعب دورا كبيرا في التواصل مع "المغضوب عليهم" مثل إيران، وقدم منفذا لكوبا على العالم، وأحرج الرئيس الأمريكي باراك أوباما وكذلك فعل بملك إسبانيا خوان كارلوس، ولكنه في المقابل ارتكب أخطاء كبيرة.
لا أعرف هل نسي البعض أم تناسوا أن شافيز اعتبر العقيد معمر القذافي "شهيدا"، وأنه حتى في أيامه الأخيرة عبر عن دعمه المطلق لنظام بشار الأسد في سوريا رغم حمامات الدماء هناك، بل إنه –داخليا- أجرى تعديلا دستوريا يسمح له بالترشح لعدد غير محدود من المرات لمقعد الرئيس، ما اعتبره كثيرون تمهيدا لبقائه في السلطة إلى الأبد.
بدى لي أن شافيز سقط في نفس فخ حزب الله في لبنان، فكلاهما قاوم إسرائيل دبلوماسيا أو عسكريا، ثم ساند نظاما قمعيا في سوريا تورط في جرائم حرب، وللأسف فإن البعض سيتجاهل أي تاريخ سابق لهما ولن يتذكر إلا الحدث القريب.
وفي الوقت الذي كان شافيز يستعد فيه لحكم فنزويلا لولاية ثالثة، كان رئيس البرازيل السابق لولا دا سيلفا يرفض دعوات بعض المغالين من المقدرين لإنجازاته لإجراء تعديل مماثل للدستور حتى يبقى في السلطة ويواصل ما بدأه.
سّلم لولا دا سيلفا السلطة في البرازيل وعاد بالفعل إلى صفوف الجماهير دون شعارات رنانة، أما شافيز فآثر استكمال "الثورة البوليفارية" والمضي في الطريق "الذي لا عودة منه" حسب تعبيره، دون أن يدرك أن القدر لم يكن ليمهله كثيرا.
لا أعني بهذه الاستدراكات أن شافيز كان سيئا فقط أولا أريد أن أنسف كافة إنجازاته أو أن أتنكر لتضامنه مع القضايا العربية والإسلامية، ولكن أحاول فقط أن أرى جوانب أخرى من الصورة فلا أقدس الرجل ولا ألعنه.
ربما آفة الميل للإنجازات وإنكار الأخطاء هي ما يعاني منه قطاع واسع من الناصريين في بلادنا، والعكس تماما صحيح.. فشيطنة عبد الناصر بالكلية والتركيز على أخطائه مع تجاهل إيجابياته هو آفة قطاع واسع أيضا من الإسلاميين.
الغاية والنهاية مما أقول هو أن التضامن مع الشعوب المظلومة والوقوف في وجه الإمبريالية الأمريكية وإنجاز بعض من العدالة الاجتماعية لا يبرر مطلقا أن تبقى في السلطة إلى الأبد أو أن تساند أنظمة قمعية أخرى لمجرد أنها تسير بجوارك في خط السياسة الخارجية.
وعليه، فإن شافيز ليس أخطاء فقط.. وليس إنجازات فقط.. بل هو كلاهما معا. ولا ينبغي مطلقا لأي منصف أن يتجاهل إنجازاته لعظم أخطائه، أو أن يرى فقط إيجابياته ويغض الطرف عن سلبياته.

أزمة كوادر الإخوان

28 ديسمبر 2012
رغم حيازة الجماعة للقاعدة التصويتية الأكبر لأسباب لسنا بصدد الحديث عنها الآن، فإنها تعاني من أزمة على مستوى الكوادر ظهرت واضحة خلال المنعطفات السياسية المتعاقبة التي كان آخرها تمرير الدستور الجديد.
يدين الإخوان بالكثير لثلاثي حزب الوسط أبو العلا ماضي وعصام سلطان ومحمد محسوب في عملية تمرير الدستور، فقد تقاسموا الأدوار واستأثروا بالجزء الأكبر من الحديث الإعلامي بينما تراجعت كوادر الجماعة كثيرا في ظلالهم.
وفي ظل حرص الوسط في كل مناسبة على تأكيد انفصاله عن الإخوان مثل استقالة محسوب من الحكومة، فإن الجماعة تجد نفسها مرة أخرى تعاني عجزا على مستوى الكوادر الكاريزمية التي يمكنها أن تتحدث في الإعلام فتجتذب مزيدا من المؤيدين أو على الأقل المعجبين.
وبإقراري أن كثيرا من الهجوم الذي يتعرض له الإخوان حاليا في الإعلام المرئي والمطبوع افتراءات لا أساس لها، فكان يفترض على الجماعة أن تعد كوادر قادرة على تغيير هذه الصورة السلبية بدلا من تأكيدها.
لنا في تصريحات عصام العريان أمثلة لا تنتهي، وكلنا نعرف كذلك سقطات صبحي صالح وغروره، أما سعد الكتاتني فرغم إجادته للإدارة خلال مجلس الشعب الأخير فإنه لا يحظى بقبول شعبي وإعلامي واسع.
ولا شك أن محمد البلتاجي يعتبر من الوجوه البارزة للإخوان حاليا ولكن له سقطاته أيضا مثل نقله تصريحات اللواء الرويني "حرفيا" على الهواء مباشرة، بجانب افتقاده للسيطرة على أعصابه في لحظات المواجهة وفشل مشروع التوافق الذي كان يحمله حتى وإن لم يكن له في ذلك يد.
فقدت الجماعة محمد حبيب وعبد المنعم أبو الفتوح بحق أو بدون حق، وتعاظم دور خيرت الشاطر وهو -كما وصفه صديق- المحاط بهيبة الغموض وكونه الرجل القوي دون أن يترجم ذلك إلى قبول شعبي أيضا، بل وعلى مستوى الشباب فقدت الجماعة الكثير.
أغلبية الأحزاب الإسلامية لها كوادر فردية تفوق الإخوان قبولا بكثير حتى وإن كانت أقل خبرة على مستوى العمل السياسي التنظيمي، فنادر بكار دون الثلاثين في النور ولكن لا نظير له في الحرية والعدالة، وهنا أتذكر بعضا ممن عرفتهم بشكل شخصي من شباب الإخوان في السابق كان يمكن أن تنقلب الصورة في حضورهم، مثل إبراهيم الهضيبي.
والحق أن الوسط بعيدا عن انحيازي الشخصي يقوم بسياسة تدوير متميزة، فبعيدا عن الثلاثي الكبير هو يقدم الآن كوادر شابة بشكل تدريجي وصارت تأخذ حظها من الظهور في الإعلام مثل المتحدث الرسمي عمرو فاروق.
شخصيا أعرف أن الإخوان لهم من الكوادر من يقدر على إعادة التوازن إعلاميا ولكنه لم يظهر إلى الآن أو تم توجيهه إلى منطقة بعينها بعيدة عن الشارع. على الإخوان إعادة تقديم جهاد الحداد.
أتفهم أن اتساع وتشعب التنظيم قد يحجب بعض الكوادر، لكن تغيير الانطباعات العامة حدث طارئ ويستوجب بعض التغييرات.

أسماء ومسميات

17 ديسمبر 2012

في مقال لا يُنسى للكبير د.جلال أمين بعنوان "دليل الرجل الذكي إلى فن إمساك العصا من الوسط" تطرق إلى عملية تغيير المصطلحات وإطلاق أسماء غير ذات دلالة على المسميات على حتى يتم تمريرها. فعلى سبيل المثال عندما تريد الحكومة إلغاء الدعم فإنها تطلق على هذا الإجراء اسما لطيفا يبدو مقبولا للجميع لا حرج فيه وهو "ترشيد الدعم"، وهكذا.
والحقيقة أنني أسترجع الآن مقال د.جلال أمين كلما رأيت التلاعب المقصود تماما لتشويه المسميات أو تجميلها بأسماء لا تنطبق عليها على الإطلاق، والأمثلة أكثر من أن تعد أو تحصى خاصة في الحقل السياسي الذي صار مرتعا لكل من هب ودب.
تلعب وسائل الإعلام دورا كبيرا في تغيير دلالات المسميات عن طريق إطلاق أسماء غير دقيقة، فالعلمانية مثلا اختفت تماما وصار الاسم الدارج لها هو "المدنية".. فهناك تيارات مدنية وقوى مدنية وأحزاب مدنية ومراحيض مدنية.. إلخ. ولا يخفى على أحد أن كلمة "مدنية" ذات وقع طيب في الأذن فهي تستدعي أولا فكرة التحضر والابتعاد عن البدائية وبالتالي هي مقبولة للغاية مقارنة بمصطلح العلمانية سيئ السمعة. وهنا أتساءل إن كانت كل هذه أحزاب مدنية.. فأين الأحزاب العلمانية؟ ربما في كوكب أورانوس.
قال لي صديق دبلوماسي عزيز إن المدنية هي الفصل بين السلطات، وأنا أقول إنه بناء على ذلك فالأحزاب الإسلامية القائمة مدنية أيضا ولا يحق لأحد الاستئثار بمصطلح دون آخر، ولكن هذا للأسف من قواعد اللعبة.
في المقابل أطلق الإعلاميون على الأحزاب الإسلامية صفة "الدينية" وهو وصف به ما به من تبغيض. فقد اعتدنا –على عكس بلدان أخرى- حظر إنشاء الأحزاب على أسس دينية ومن ثم فإن المصطلح الذي يتم الترويج له ينزع صفة القانونية ابتداءً عن هذه الأحزاب، ويعطي انطباعا بأنها تفرق بين أبناء الوطن على أساس الدين وهكذا.
ويتجاهل هؤلاء عن عمد واضح مصطلح الإسلام بمعناه الواسع والذي يتجاوز فكرة كونه مجرد دين إلى إطار حياة أو قاعدة حضارية تستوعب من يؤمن بأي دين آخر على المستوى العقدي، وهذا هو ما وطأ له العبقري الراحل علي عزت بيجوفيتش في كتابه "الإسلام بين الشرق والغرب" حين قال إن "الدين" بمعناه المتداول شيء، و"الإسلام" شيء آخر.
نفس لعبة المدنية والدينية هذه لعبها الرفاق اليساريون في السابق، فأطلقوا على تياراتهم وأحزابهم اسم "التقدمية".. ومن فينا يبغض التقدم أو لا يريده؟ هو اسم محبب إلى النفس أكثر من كلمات كالشيوعية سيئة السمعة أيضا.
وبالطبع فإن نقيض هذا الاسم هو "الرجعية" وبالتالي فكل من يعارض هؤلاء التقدميين هو رجعي بالضرورة وظلامي ومتخلف وربما إرهابي.. وهكذا.
اللعبة بالطبع أقدم من السياسة بكثير، فالخمور مثلا لأنها محرمة بنص قطعي في الإسلام تمت تسميتها "مشروبات روحية".. من منا لا يريد لروحه أن تنتشي وتنتعش؟ ربما "المتطرف"، وحينها يكون شارب الخمر هو "المعتدل".
الأمثلة كثيرة ولا تنتهي لأن اللعبة قديمة للغاية، ولكن ما أخلص إليه أنه لا توجدى قوى سياسية مدنية في مصر دون غيرها، الكل مدني لأن الكل يؤمن بفصل السلطات ولكن من يؤمن بفصل الإسلام أو عزله عن سياق السياسة والمجتمع بوجه عام هو علماني بالضرورة سواء كان اشتراكيا أو ليبراليا أو وسطا بينهما.
وبالمثل، فإن من يؤمن بمرجعية الإسلام هو إسلامي بالضرورة سواء كان يجنح لليمين أو اليسار أو يتوسط بينهما.