الخميس، أغسطس 01، 2013

تأمُّل


14 يونيو 2013


للأسف بلغ الأمر بنا في مصر حدا غير مسبوق من التصنيف السياسي الفوري، بمعنى أنك إن انتقدت المعارضة الآن فسيُلصق على قميصك شعار جماعة الإخوان المسلمين شئت أم أبيت، وكل هذا في إطار متفاوت القوة من الإرهاب الفكري، وكأن تهمة جنائية ستثبت عليك أو فضيحة ستلحق بك.

هذاالتصنيف الفوري التعسفي الشبيه بمحاكم التفتيش السابقة يدل بوضوح على ضيق شديد في الأفق، وعدم قابلية للحوار، وقناعة مسبقة من كل فرد بأن ما يصدر منه هو حقيقة مطلقة لا تقبل الشك أو الجدل.

أعتقدأن ذلك ليس وليد اللحظة الحالية التي تشهد استقطابا سياسيا بالغا بدأ منذ أكثر من سنتين، فأرى أن الظاهرة مرتبطة بثقافتنا نحن المصريين، فلو استرجعت معي أغلب النقاشات التي مرت أمامك أو شاركت فيها بنفسك منذ الطفولة ستجد أنها كانت حوارا للصم لا يسمع فيه أحد الآخر، فيبدو الأمر وكأنه نزال لفظي مهما كانت تفاهة الموضوع والمهم هو الخروج منه بالنصر.

في العالم هناك شهوات عدة تتحكم في تصرفات الإنسان كالأكل مثلا أو الراحة أو المتعةأو المظهرية، وفي مصر لدينا شهوة أخرى لا تقل قوة تتمثل في إفحام الآخر أو التحقير من رأيه أو إظهاره بمظهر المأجور أو الببغاء الذي يردد ما لا يعي طالما هو مختلف في الرأي.

تلك الشهوة التي أزعم أنها من ملامح ثقافة جيلنا وجيل من سبقنا يمكنك تلمس مثال لها في موضوعات التعبير خلال فترة الدراسة الثانوية، فكان بعض المدرسين يمرر إلى طلبته مقدمة تحريرية يقول إنها تصلح للتمهيد لأية فكرة! تلك المقدمة تقول "مما لاشك فيه أن....".

وحين أراد البعض التنويع في تلك المقدمة طرح بديلا آخر ولكنه بنفس المعنى، يقول"لا يختلف اثنان على أن..."! وأصابت الغيرة معلمي اللغة الإنجليزية فنصح بعضهم الطلبة بتصدير أي موضوع بعباراة: No one can doubt that….

فإذاكان الجيل الأكبر يمرر إلى الجيل الأصغر ثقافة عرض الآراء الشخصية على أنها حقائق مسلّم بها لا تقبل الشك أو الاختلاف، فقد عزز لديه من شهوة الانتصار في السجالات بأي ثمن، بل والآن بعد سنوات ها هو يعتبر من يخالف رأيه شخصا غير منطقي، وكأنه يقول لنفسه "رأيي لا يقبل الشك.. فمن ذا الذي يعارضه؟ لا بد أنه من الخرفان أو المأجورين".. وهكذا.

المشكلة الأكبر أن من يقوم بهذه الممارسة هو دوما أكثر المتشدقين بعبارات مثل ثقافة الحوار، أو ضرورة التوافق، أو احترام حرية الآخرين في تكوين آرائهم، أو البحث عن الحقيقة، في حين أنه أول من ينسف كل ذلك إذا سنحت أو حتى لم تسنح له الفرصة، فهو غالبا قد تعلم تلك المصطلحات كي يوظفها في موضوع يفتتحه بنفس المقدمات المحفوظة، لا أكثر ولا أقل.

عن هذه الشهوة التي عززتها سلوكيات دارجة في مصر تحدث عالم الاجتماع العراقي الراحل علي الوردي من منطلق بيئته ودون استقطاب سياسي، فقال منذ زمن وأراه قد صدق: "وأرجو من القارئ ألا ينخدع بما يتحذلق به المتحذلقون من أنهم يريدون الحقيقة ويريدون الوصول إليها بأي ثمن. إن هذا هراء مابعده هراء. إن الإنسان حيوان وابن حيوان وذو نسب في الحيوانات عريق. فهو يود من صميم قلبه أن يكون غالبا ويكره أن يكون مغلوبا على أي حال".

ليست هناك تعليقات: